وما كل بداية إلا تذكرة وموعظة، هذا الزمن يمضي، وتتجدد دوراته بأمر ربه، فهل يا ترى نجدد حياتنا مع بداياته؟ ونزكي أرواحنا بما يهبُنا الله من دروسه؟ خير ما يتزكى به المرء كلام الله وسنة رسول الله ﷺ، لذلك في مقالي هذا، سأتحدث حول حديث جامع من أحاديثه ﷺ، يكون خير بداية لعام نتطلع فيه إلى مزيد تقرب من الله تعالى، إلى النجاح والسعادة، إلى دوام الصحة والسلامة.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ، شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ”. ولا بد لكل واحدة من هذه الوصايا النبوية من وقفة وتفكر، واعتبار وتذكر، لنتزود منها لدنيانا والآخرة.

الشباب، الهرم، الصحة، المرض، الغنى، الفقر، الفراغ، الشغل، الحياة، الموت… عشر أحوال يذكرها ﷺ، لا بد لكل الناس أن يمروا بها كلها أو بعضها، وإذ يذكر الحديث هذه الأحوال يذكرها لأهميتها، وليلفت الانتباه أن هذه الأحوال قد تكون تحت تصرف الإنسان في وقت ما، ثم تأتي لحظة ما يسلبه الله فيها هذا التصرف، فواجبه طالما يملكه أن يحفظ حق الله فيه، وأن يبتغي في حركاته وسكناته وجه الله.

أما الشباب: فالواجب الحفاظ عليه للتقوي على طاعة الله بالتقوي على طاعة الله، بالطاعة لأجل مزيد من الطاعة قبل فقد القدرة؛ فكم عاجز يتمنى الوقوف لأداء ركعة، كم مسربل بفراشه يتمنى أن يصلي، المومئ بعينه يتمنى الصلاة جالساً، والجالس يتمنى الصلاة واقفاً… والعاجز عن السجود، يتمنى لو يطبع على الأرض جبهته بعد شوق عميق لمثل تلك اللحظة التي فيها إعلان تمام الذلة والخضوع لله سبحانه.

أما الصحة: فينبغي المحافظة عليها بأكل ما أحله الله، وحفظ نعمة الله من الضياع، مع عدم الإسراف في الأكل والشرب، وقد أخبر الله عن ذلك بأمر صريح: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا” (الأنعام: ٣١)، كما في حديث النبي ﷺ: ” بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ”. ومما ينبغي الحذر له وعدم الوقوع فيه، أكل الحرام والتمتع فيه، ليس لأنه حرام فحسب، وإن كان هذا كافياً للمسلم الحق حتى يمتنع عنه، بل لما فيه من مضار على الصحة والجسد أيضاً، خصوصاً ما عم البلاء فيه وغدا الناس يجادلون في حرمته من كثرة ما ابتليت الأمة به؛ كالدخان والشيشة، والمخدرات والحشيشة، وقد ثبت بالدليل القاطع ضرر هذه المحرمات على الإنسان نفسه وعلى من هم حوله، وعلى البيئة العالمية ككل، والله المستعان قد نبهنا سابقاً: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” (البقرة: ١٩٥). ومما ينبغي الالتفات إليه أيضاً في باب الصحة: التطبب والتداوي؛ فإذا ما وقع المرض سارع أحدنا إلى الطبيب لفهم مرضه وللتعامل معه وللاستعانة بالدواء الشافي بأمر الله تعالى، وعدم التذرع بأن هذا قدر الله وينبغي الاستسلام لما يقدره الله لنا دون فهم سليم لقضاء الله وقدره، ولفقه الابتلاء والامتحان، والحق أن التداوي إذا ما اختاره الإنسان وشُفي بأمر الله، فإن هذا أيضاً قدر الله الذي ينبغي أن يحترم، ما لأحد من اطلاع على غيب الله، وما لأحد أن يفترض شيئاً دونما علم أو بينة، والرسول ﷺ نفسه تداوى وتطبب، ليدلل على أهمية ذلك، حتى لا يهلك أحدنا ويخالف أمر الله في إهلاك نفسه.

أما الغنى: فالحفاظ عليه يكون قبل أن يأتي أساساً؛ بأن تأتي منه من حلال، لن يدوم مال الحرام لأحد، ولا بد يأكل صاحبه، كما في قصة أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ، التي ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه، أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ‏”مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ‏”‏‏.‏ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ لاَ أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سعيد: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا، قَالَ فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَت. فحري بكل من يسعى للغنى ألا يتعدى على مال غيره، فتمحق البركة من ماله، ويسلط الله المال على إهلاكه. ثم إذا ما أتى المال، فيجب إيفاء حق الله الواجب فيه، من نفقة على من يعول من زوجة وأولاد، وأب وأم إن كانا في حاجة، ثم من بعد ذلك الزكاة، ثم من بعدها الصدقة.

أما الفراغ: فهذه نعمة يغفل عنه كثير من الناس، تمضي أيامهم وأعوامهم وهم نيام، لا يشعرون بكم الخير والبركة الذي يفوتهم إن هم أحسنوا صرف وقتهم فيما فيه خير ونفع، فيجب إشغال الوقت بما ينفع، وكما قال سلفنا الصالح: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.

وختاماً بالحياة: عشها لله، وانوِها لله، واجعلها كلها لله، فتلقى الله قبل موتك… الموت حاضر، وكثير من يموت، وقلة من يموت في سبيل الله، وقلة القلة من يعيشون في سبيل الله، ومن عاش في سبيل الله لا شك يموت في سبيل الله. واتباع سنة النبي ﷺ وجعلها منهجاً معاشاً في الحياة، هو سمت الحياة الطيبة التي يكون الله غايتها والرسول ﷺ نبراسها؛ فبارك لنا يا رب في عامنا الجديد، واغفر لنا كل ذنب وقعنا فيه فيما سبق، واكتب لنا الرحمة فيما يلحق.

الشيخ جعفر حوى