الأخوَّة قوَّة

احتفت الأمة الإسلامية غير بعيد بذكرى الهجرة الشريفة التي كانت مولد الأمة بحق، واحتفاؤنا بذكرى الهجرة احتفاء بثمراتها النبوية لدى المجتمع المسلم، وأولها بناؤه ﷺ لمسجد قباء، لإيمانه أنه منطلق الدعوة، وملتقى الدعاة إلى الله، ولا خير في دعوة لا ترتبط بالمسجد. ثم لما استقر به المقام في المدينة، اختار حائط بني النجار ليقيم عليه مسجده، رغم أن المسافة بين مسجده ‎ﷺ ومسجد قباء لا تزيد ٣ كيلومترات، وهي قريبة نسبياً في عرف أهل ذلك الزمان، لكنه ﷺ بنى مسجد قباء إحياءً للجماعة، وبنى مسجده حيث استقر به المقام إحياءً للمجتمع. تنوع البناة بين أهل مكة والمدينة، والذين اصطلح على تسميتهم بالمهاجرين والأنصار، وكانوا يرتجزون أثناء البناء ويشاركهم رسول الله ﷺ حُداءهم: “اللَّهُمَّ إِنَّهُ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخرة فَانْصُرِ الأَنْصَارَ والمهاجرة” (صحيح مسلم). ثم بعد بناء المسجد سن ﷺ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ليبنيَ عُمّار المسجد، كما يبني المسجد، حتى يكون المجتمع صلباً قوياً تقوم الحضارة على يديه ويحصل النفع به.

 

إن أبلغ وصف وأجمعه لسادتنا المهاجرين والأنصار، ما ذكره الله في سورة الحشر، في بيان لصفة كل منهما، وتعظيم فضل كل منهما، والإشادة بدورهما في الدعوة؛ ففي حق السادة المهاجرين يقول سبحانه وتعالى: ” لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ” (الحشر: ٨).

 

  • يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا: ذكر بعض المفسرين أن “الفضل” هو رزق الله في الدنيا، و”الرضوان” رزقه سبحانه في الآخرة، والمقصود جنته وما أعد فيها لهم من النعيم المقيم.
  • وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: وهل ترك المهاجرون ديارهم إلا لنصرة الدين والدعوة، والثبات على الدين الحق مع محمد ﷺ؟! كان الواحد منهم يعصب حجراً على بطنه من شدة الجوع، ولاقوا في سبيل الدعوة ما لاقوا، وما كان ذلك ليزيدهم إلا إصراراً.
  • أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ: يمتدح الله إخلاصهم ووفاءهم؛ فما سعوا لشهرة أو منفعة دنيوية، بل أخلصوا نياتهم وصدقوا الله فيما ساروا إليه وقدموه من تضحيات.

 

هذه كانت صفات سادتنا المهاجرين الذين تركوا مكة، واستقر بهم المقام في المدينة، وبدأوا المجتمع المسلم مع رسول الله ﷺ، وعانوا حتى في التعرف على عادات أهل المدينة والاندماج معهم، وأخذ ذلك من جهدهم وأوقاتهم الكثير، والتاريخ زاخر بالكثير من القصص والأمثلة.

 

أما سادتنا الأنصار، فلم يكن وصف الله لهم أقل جمالاً، إذ يقول الله في حقهم: “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (الحشر: ٩).

 

  • يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ: استقبلوهم برحابة الصدر، وحفاوة قل نظيرها، بل وبادروهم كل شيء، كما في قصة سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يقول: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالاً، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَىَّ زَوْجَتَىَّ هَوِيتَ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا‏.‏ فَقَالَ له عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لاَ حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ سُوقُ قَيْنُقَاعَ‏، فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‏”‏تَزَوَّجْتَ‏”‏‏.‏ قَالَ: نَعَمْ‏.، قَالَ: ‏”‏وَمَنْ”‏‏،‏ قَالَ: امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: ‏”‏كَمْ سُقْتَ؟‏”‏، قَالَ: زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ‏،‏ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ‏”‏أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ”‏‏ (صحيح البخاري).‏

بل من كثرة حبهم لإخوانهم المهاجرين، جاء المهاجرون يشتكون لرسول الله ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ، وَلاَ أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ، مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنأ، حَتَّى خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّه، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:‏ “‏لاَ مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ”‏ (جامع الترمذي).

  • وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله ورسوله، ولقد كان رسول الله ﷺ كثيراً ما يُقدم المهاجرين في العطية بادئ الأمر، لأنهم لا مال لديهم ولا أهل، حتى يستطيع الواحد منهم الاعتماد على نفسه، وإن كانت السيرة ذكرت بعض المواقف من بعض صغار الأنصار في أنهم قالوا إن رسول الله ﷺ يميز في العطية، وحاشاه من ذلك، فسمع بذلك وجمعهم وأرضاهم بكلام تطيب له خواطرهم، وتأنس له أرواحهم.
  • وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ: يقدمون المهاجرين على أنفسهم ولا يتأخرون، حتى لو كان ذلك على حساب أنفسهم، وهذا خلق الإيثار، وقد ورد في ذلك أجمل الآثار، منها: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ مَا مَعَنَا إِلاَّ الْمَاءُ‏،‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‏”‏مَنْ يَضُمُّ، أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟”‏‏.، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا‏.، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِي‏.، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً‏،‏ فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ ‏”‏ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ ـ أَوْ عَجِبَ ـ مِنْ فَعَالِكُمَا‏”‏، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: “وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (الحشر: ٩).

 

من خلال هذه الإخوَّة الحق التي أرساها رسول الله ‎ﷺ بُنِيَ المجتمع المسلم، وعُمرت المساجد، واستحق هؤلاء نصر الله ورضوانه، نشأت الألفة والرحمة فيما بينهم، والوحدة والقوة في وجه عدوهم، واستحقوا بذلك نصر الله. نعيش اليوم في عالم مليء بالمسلمين؛ إذ يقارب عدد المسلمين المليارين، لكن لم يصل بعضهم لأن يكونوا إخوة متحابين كما كان الأنصار والمهاجرون، وِفق بعض الدراسات، بلغ عدد المساجد حول العالم ما يزيد عن ٣ ملايين و٨٠٠ ألف مسجد، عمَّرنا المساجد، لكن هل يا ترى أقمنا الإخوَّةَ بين أبنائها كما فعل ‎ﷺ؟ الواجب علينا كبير، والمهمة شريفة، ولن يصلح حال آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها، فلنعمل على أنفسنا في تحقيق الصفات التي جمعها المهاجرون والأنصار، وليكن لسان حالنا الدعاء الذي ذكره الله بعد ذكر صفاتهم يصف حالنا: “وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (الحشر: ١٠).

 

 

 

 

الشيخ جعفر حوى