الاحتفال بالمولد النبوي: قربة مستحسنة أم بدعة منكرة

لا يكادّ يحلّ شهر ربيع الأول حتى يتجدد الصراع حول مشروعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، بين مانع يعتبر ذلك من البدع المحدثة، ومجيز يعتبره من القرب المستحسنة، حيث يحشد كل فريق من الأدلة والحجج والحجج ما يعضد به رأيه وينصر به مقالته.

وفي هذه المقالة، سأعمل على تسليط الضوء على جانب من هذا الخلاف، مع محاولة تشريح هذه المسألة، وتحديد محل وأسباب الخلاف فيها، وصولا إلى الرأي الأصوب – في نظري – والذي يتوافق مع مقاصد الشريعة وأهدافها، ولا يتعارض مع نصوصها وأحكامها.

يجادل المانعون من الاحتفال بهذه المناسبة: بكون هذا الصنيع من البدع المحدثة في الدين؛ حيث لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه من بعده، وإنما هو بدعة أحدثها الشيعة الفاطميون بعد انقضاء القرون المفضلة.

كما يحتجون بما في هذا الاحتفال من التشبه بالنصارى، الذين يحتفلون بعيد مولد السيد المسيح عليه السلام.

يضاف إلى ذلك: ما يخالط هذه الاحتفالات من ممارسات مرفوضة شرعا: كالرقص، والغناء، واختلاط الرجال بالنساء، وصولا إلى بعض الأعمال التي قد تعتبر شركية؛ كالاستغاثة وطلب المدد وإنشاد القصائد التي تتضمن الغلو في تعظيمه – صلى الله عليه وسلم – غلوا قد يصل إلى حدّ الشرك.

وأخيرا: فإن مثل هذا الاحتفال يفتح الباب – في نظر المانعين – لارتكاب بدع أخرى، والانشغال بها عن السنن، كموالد سائر الأولياء وأئمة الطرق[1].

وفي المقابل، يجادل المجيزون: بأن الغرض من هذا الاحتفال إنما هو إظهار محبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – وتعظيمه، وإظهار شكر الله على نعمة وجوده صلى الله عليه وسلم، وإحياء ذكراه في القلوب، بعدما أماتها كثير من الناس، من خلال التعريف به، وبسيرته، وشمائله.

ويستأنسون لذلك ببعض الأدلة الشرعية، كصوم عاشوراء، وصيامه – صلى الله عليه وسلم – ليوم الإثنين كونه ولد فيه، وما كان يفعله الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – من إنشاد الأشعار في مدحه – صلى الله عليه وسلم – وتعداد مناقبه الشريفة، وتعليم ذلك لأبنائهم، في حياته وبعد وفاته، دون نكير عليهم في ذلك.

وأخيرا: يحاججون بأن ما يقام في هذه الموالد إنما هو جملة الأعمال الصالحة، كإطعام الطعام، والصدقات على الفقراء والمحتاجين، وذكر الله تعالى، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن أول من أحدثها إنما كان ملكا صالحا عادلا مجاهدا، وأن الأمة قد تابعتهم على ذلك، حتى ادعى بعضهم إجماع الأمة على ذلك[2].

وإن المتأمل في أدلة الفريقين، وردودهم ومناقشاتهم، يجد أنها – على وجاهتها – لا ترد على محلّ خلاف واحد في كثير من الأحيان، مما يقتضي منا تفصيل المسألة، وتوضيح محل الخلاف فيها، وأسبابه الحقيقية، الأمر الذي سيساعدنا في الوصول إلى الرأي السليم إن شاء الله.

كما أن هذه القضية – أعني حكم الاحتفال بالمولد النبوي – ليس فيها دليل شرعي بخصوصها، فلا يوجد نصّ شرعي أو دليل معتبر يدل على جواز أو حرمة هذا الأمر، اللهم إلا ما ورد من الأدلة العامة، وبعض الأدلة الأخرى التي يمكن الاستئناس بها والقياس عليها. لذلك فإنها تبقى محلّ اجتهاد، ولا مجال للقطع فيها بأحد الأقوال، مهما تعنّى المختلفون – من المجيزين والمحرِّمين –  وتمحّلوا لآرائهم لينزلوها منزلة القطعي من الأحكام الشرعية.

وحتى يتضح المقام، نحتاج إلى توضيح أن هذه القضية مركبة من مسألتين، ينبني الحكم في واحدة منهما على الأخرى، كما يلي:

المسألة الأولى: حكم إحياء ذكرى المولد النبوي، أو الاحتفال به، من حيث الأصل.

والمسألة الثانية: حكم ما يخالط هذا الاحتفال من ممارسات وأفعال، ومدى اتفاقها مع الشرع من عدمه.

أما ما يتعلق بحكم الاحتفال بالمولد النبوي من حيث الأصل: فإن اختلاف العلماء فيها مبني على اختلافهم في عدة مسائل أصولية، كما يلي:

  1. الخلاف في مفهوم البدعة، بين مضيق وموسع، والتفرقة بينهما وبين المصلحة المرسلة.
  2. الخلاف في مدى حجية الترك، بمعنى: هل عدم فعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – لشيء يدل على منعه، وهل ينسحب ذلك الحكم على ترك الصحابة أيضا؟
  3. الخلاف في تحرير مفهوم القربة والعبادة، ودخول إحداهما ضمن مفهوم الأخرى لدى البعض.
  4. الخلاف في مدى إعمال أصل سدّ الذرائع وفتحها، والموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على العمل.
  5. وأخيرا: مدى اعتبار تغيّر الأحوال، بتبدل الأمكنة والأزمنة والظروف، في التأثير على تغيّر الأحكام الشرعية، واختلافها بحسب المكان والزمان والظروف المحيطة.

ولا شك أن كل مسألة مما سبق تستحق الإفراد ببحث مستقل، وليس هذا مقام بسطها، ولكني أقول باختصار:

إن التفريق بين القربة، بمعنى كل عمل صالح يتم التقرب به إلى الله، والعبادة، بمفهومها الفقهي، بمعنى: الأقوال والأفعال المخصوصة، في الأزمنة المحددة، بنية خاصة، إن هذا التفريق أساسي جدا كي نميز بين البدعة المرفوضة، والقربة المستحسنة.

والبدعة – في نظري – إنما تتعلق بالعبادات التوقيفية، التي ينبغي الوقوف في أوقاتها وكيفياتها عند حدود النصّ الشرعي، مالم يوجد دليل شرعي مقبول يسمح بخلاف ذلك. ومن هنا يمكن تعريف البدعة بأنها: اختراع عبادة جديدة، أو الزيادة عليها أو النقص منها، أو تخصيصها بوقت أو مكان أو حال معين، دون دليل شرعي مقبول.

أما ما عدا ذلك من القربات؛ فالأصل فيها المشروعية والجواز، بشرط ألا تتعارض مع نصّ أو أصل شرعي آخر. وإنما المرجع فيها تقدير المصالح والمفاسد، وإعمال قواعد المصالح المرسلة، وسدّ الذرائع بناء عليها.

وعدم فعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم – لها لا يعتبر دليلا على عدم مشروعيتها، ما لم يقم دليل على وجود أسبابها ومقتضياتها الداعية إليها حال تركها من قبلهم. وما لم يكن ذلك، فلا يعتبر فعلها ابتداعا في الدين، أو إحداثا فيه.

إلا أن المسألة الأهم، من المسائل التي تنبني عليها هذه المسألة، هي: قضية تبدّل الأحكام بتبدل الأزمان والأمكنة والظروف وبل والأشخاص أحيانا.

ولا شكّ أن حال المسلمين في هذا الزمان، من حيث معرفتهم بالرسول – صلى الله عليه وسلم – وسيرته وشمائله، يختلف اختلافا كثيرا عن حالهم في القرون المفضلة، وخاصة عصر الصحابة، الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، وعرفوا خصاله وشمائله عن قرب، وعاشوا معه سيرته، وعايشوا أحداثها بأنفسهم.

أما اليوم، فإننا نجد بين ظهراني المسلمين من يجهل أبسط الحقائق عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – بل إن منهم من لا يعرف اسمه! وهذه المشكلة، وإن وجدت في البلدان الإسلامية نفسها، إلا أنها أوسع وأعمق لدى المجتمعات والجاليات المسلمة في الغرب، لذلك كان من الواجب على القائمين على شؤون هذه المجتمعات والجاليات استغلال كل مناسبة ممكنة لتعريف الناس بدينهم ورسولهم، وإحياء ذكراه فيما بينهم، وغرس وتجديد محبته في قلوبهم، وتعريفهم بسيرته وخصائصه وشمائله وفضائله.

من هنا، كانت مناسبة المولد الشريف، من المناسبات التي ينبغي استغلالها وعدم تفويتها في تحقيق هذه المقاصد العظيمة، مع الأخذ بعين الاعتبار الالتزام بضوابط الشرع في إحيائها.

أما ما يتعلق بما بالممارسات التي قد تحصل في هذه المناسبة، فإنها ينبغي أن توزن بميزان الشرع، فإن كانت مباحة أو مستحبة من حيث الأصل، كالصدقة، وإطعام الطعام، وتدارس أحداث السيرة، وتذاكر فضائل وشمائل الرسول الكريم، وإنشاد الأشعار في مدحه، فلا مانع منها في هذه المناسبة، حيث لا تتعارض مع نصوص الشريعة وأحكامها، بل إن لكثير منها ما يشهد لها من أدلة الشرع وصنيع الصحابة والسلف الصالح.

وأما ما كان منها معارضا لأحكام الشريعة، كالرقص، والغناء المحظور، والاختلاط المحرم، والغلوّ في حقّ الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء بدعائه وطلب المدد منه، أو إطرائه ومديحه بما لم يأذن به الشرع، فإن هذه الممارسات تحرم شرعا، بل وتخرج بهذه المناسبة عن مقصودها، وتحيلها من قربة مستحسنة، إلى بدعة شنيعة منكرة.

أختم مقالتي بالاستشهاد بمقولة لشيخ الإسلام ابن تيمية، تدل على إدراكه الدقيق لمقاصد هذه المناسبة، وما قد بترتب عليها من المصالح والمفاسد، التي قد تختلف باختلاف الأشخاص، حيث قال: “فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعيظمه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قيل للامام أحمد عن بعض الأمراء إنه أنفق على مصحف ألف دينار ونحو ذلك فقال دعه فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب أو كما قال[3].

ومن هنا نجد العديد من أكابر العلماء المعاصرين، كالشيخ القرضاوي، وفيصل مولوي، وسعيد حوى[4] – رحم الله الجميع – يفتي بجواز إحياء هذه المناسبة، من خلال التعريف بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومدارسة سيرته وشمائله، ونحو ذلك من الأفعال الصالحة، دون اعتقاد ذلك نوعا من العبادات (بالمفهوم الفقهي للعبادة)، مع ضرورة الالتزام بأحكام وضوابط الشرع، والابتعاد عن أية ممارسات تتعارض معه في هذه المناسبة، وهذا – لعمري – هو الرأي السديد الذي يتوافق مع حاجات المسلمين – خاصة في بلاد الغرب – ويحقق لهم مصالح دينية جمّة، دون أن يخرج بهذه المناسبة عن مقاصدها وغاياتها الحسنة.

والله تعالى أعلم وأحكم.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1] انظر بسط أدلتهم في:

https://islamqa.info/ar/articles/60

https://islamweb.net/ar/fatwa/1888

[2] انظر بسط أدلتهم في:

https://www.islam.ms/ar/%D8%AF%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%84-%D9%85%D9%88%D9%84%D8%AF-%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%8A

[3] اقتضاء الصراط المستقيم (1/297)

[4] الاحتفال بالمولد النبوي: حكمه وحكمته – موقع إسلام أونلاين

https://fiqh.islamonline.net/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%88%D9%8A-%D8%AD%D9%83%D9%85%D9%87-%D9%88%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%AA%D9%87/