مع انقضاء عام هجري واستقبال عام هجري آخر، ينبغي لنا التوقف مع هذا الحدث العظيم، حادثة الهجرة النبوية، الذي اختاره أصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين – ليكون مبدأ التقويم الإسلامي، وما يمكن أن نتعلمه من الدروس المستخلصة منها.

ومع أن العلماء – قديما وحديثا – قد تناولوا هذا الموضوع من مختلف جوانبه، إلا أنني سأقف مع هذا الحدث بعض الوقفات الهامة التي ترتبط بواقعنا المعاش كمهاجرين مسلمين نعيش في الغرب.

إن الأسباب التي قد تدفع الإنسان لمغادرة مسقط رأسه، وموطنه الذي نشأ وترعرع فيه، مفارقا أقاربه وأحبابه، مخلفا وراءه ذكريات طفولته وشبابه، هذه الأسباب تتنوع ما بين طلب العلم أو الرزق، إلى محاولة توفير فرصة أفضل للأبناء والعائلة، إلى الفرار بالدين والنفس من الظلم والاضطهاد، إلى غير ذلك من الأسباب المتعددة التي قد تدفع الإنسان لاتخاذ مثل هذا القرار المصيري.

ولكنا حين نتأمل في هجرة المسلمين الأوائل، سواء هجرتهم الأولى والثانية إلى الحبشة، أو هجرتهم إلى المدينة، نقف على أربعة أسباب أساسية، تشكل الدوافع الرئيسية لهذه الهجرات الثلاثة، وهذه الأسباب هي:

  1. البحث عن العدالة.
  2. التمتع بالحرية.
  3. الحياة الآمنة.
  4. طلب الرزق والمعاش وتحصيل أسبابها من العمل والإنتاج.

هذه المقاصد تشكل الأسس التي قام عليها المجتمع المسلم المهاجر في الحبشة، كما هي نفسها التي قامت عليها الدولة المسلمة الوليدة في المدينة، والتي تحولت فيما بعد إلى امبراطورية عظيمة تنشر هذه المبادئ السامية حول العالم، وتحولها إلى أسس الحضارة الإسلامية التي أقامها المسلمون الأوائل.

وفي هذه المقالة سأتطرق إلى المبدأ الأول منها، وهو البحث عن العدالة، وتحقيقها وإقامتها:

وإن الدارس لملابسات ووقائع الهجرة إلى الحبشة، يعلم يقينا أن هذا المقصد بالذات شكل السبب الأساسي لاختيار الرسول – صلى الله عليه وسلم – لبلاد الحبشة دون غيرها والبلاد، وللنجاشي دون غيره من الملوك والحكام، ليكون وجهة المسلمين في هجرتهم الأولى.

فقد ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى المشركين يؤذون أصحابه ولا يستطيع أن يكفهم عنهم قال لبعضهم: “إن بالحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا”[1]، فكان أول من خرج منهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام[2].

ففي هذا الحديث يتجلى بوضوح أن سبب اختيار الرسول – صلى الله عليه وسلم – للنجاشي دون غيره إنما هو ما كان يتمتع به من صفة العدل، هذا العدل الذي دفع النجاشي لعدم تسليم هؤلاء المهاجرين لقريش، وتقديم الحماية والرعاية لهم طوال فترة إقامتهم في بلاده.

ورغم ندرة النصوص التي تصف وقائع حياة وإقامة المهاجرين في الحبشة، مقارنة بالنصوص التي تصف حياة المسلمين في المدينة بعد الهجرة، إلا أننا نقف على ما يؤكد استشعار هؤلاء المهاجرين لقيمة العدل، وتألمهم من الظلم الواقع على أي إنسان، حتى وإن لم يكن فردا من أفراد الجالية المسلمية في تلك البلاد.

تروي أسماء بنت عميس أن زوجها جعفر بن أبي طالب جاءها – إذ هم بالحبشة – يبكي، فقالت‏:‏ ما شأنك‏؟‏ قال‏:‏ رأيت فتى مترفا من الحبشة شابا جسيما، مرّ على امرأة، فطرح دقيقا كان معها، فنسفته الريح، فقالت‏:‏ أكلك إلى يوم يجلس الملك على الكرسي، فيأخذ للمظلوم من الظالم‏[3]!

وقد عقب الرسول – صلى الله عليه وسلم – على هذه الحادثة، حين قصها عليه مهاجرو الحبشة بعد التحاقهم به، بقوله: “لا يقدِّسُ اللَّهُ أمَّةً لا يُقضَى فيها بالحقِّ ويأخذُ الضَّعيفُ حقَّهُ منَ القويِّ غيرَ مُتَعْتعٍ”[4].

وهنا قد يتبادر السؤال: ما دامت أرض الحبشة تتمتع بهذه العدالة، تحت حكم النجاشي الذي لا يظلم عنده أحد، لماذا لم يهاجر إليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نفسه، ولا لجأ إليها كثير من كبار أصحابه رضي الله عنهم؟!

والجواب: أن الرسول وأصحابه ما كانوا يهدفون إلى العيش كمجرد رعايا في بلاد ينعمون فيها بالعدل، وتحت ظل ملك يتصف بإقامته، وإنما كان غرضهم إقامة دولة العدل، وتأسيس حضارة قائمة على مبادئ العدل، ونشر هذه المبادئ لتعم جميع البشرية.

وهو ما تم للمسلمين الأوائل بهجرتهم إلى المدينة، حيث أقاموا دولة العدل، التي أسست على مبدأ: “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”[5]. هذا المبدأ الذي جعل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه يقول: “وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”[6]، وجعل خليفته من بعده، عمر بن الخطاب، يُقيد القبطي من ابن واليه على مصر، عمرو بن العاص، بل ويأمره أن يقتص من عمرو نفسه؛ لأن ابنه ما تعدى عليه إلا بسلطان أبيه.

وهو المبدأ الذي حمله الصحابة إلى جميع البشرية بعد ذلك، والذي لخصه ربعي بن عامر في خطابه لكسرى ملك فارس: “إنما جئنا لنخرج العباد من جور الأديان إلى عدل الإسلام”.

إن المتأمل لواقعنا، كمهاجرين مسلمين في الغرب، يعلم جيدا أن كثيرا منا إنما هاجروا لينعموا بالعدل القائم في هذه البلاد، وفرارا من الظلم المستشري في كثير من بلاد المسلمين اليوم.

ولكن ينبغي ألا نجعل غايتنا القصوى مجرد العيش كرعايا في بلاد تنعم بالعدل، وإنما يجب أن نكون جزءا من هذه العدالة، نقيمها، ونحافظ عليها، ونقومها إذا وجدنا في اعواجاجا أو انحرافا عن مبادئ العدل وقيم الإنصاف.

ومن هنا، كان من الضروري للمجتمعات المسلمة في الغرب أن تنخرط وتشارك في الأنظمة التشريعية والقضائية والتنفيذية الموكلة بإقامة العدل وحفظه وتحقيقه، بأن تعمل على أن يكون لها دور فعال، ونصيب عادل، ضمن نواب المجالس التشريعية، وقضاة المحاكم وجهات الادعاء، وشاغلي المناصب القانونية المتنوعة، والعاملين في وكالات وجهات إنفاذ القانون المختلفة في هذه البلاد على كافة المستويات.

فإذا نجحنا في ذلك، فإننا سنكون قد خطونا خطوة إلى الأمام، وتحولنا من مجرد كوننا رعايا ينعمون بالعدل الذي يقيمه غيرهم، ويهاجرون من بلد إلى بلد بحثا عنه، كما كان حال مهاجرة الحبشة، إلى كوننا جزءا من منظومة العدالة في هذه البلاد، كما كان حال المجتمع المسلم في المدينة المنورة، مع السعي الدائم إلى نشر هذا العدل وتوسيع دائرته في كل أقطار الأرض، على أمل أن تتحقق هذه العدالة المفقودة في البلدان الإسلامية التي باتت تفتقد أكثر ما تفتقد إلى قيم العدالة والإنصاف.

في المقالة القادمة إن شاء الله سيكون لنا وقفة مع قيمة أخرى من القيم العليا التي سعى المسلمون التي بحث عنها المسلمون الأوائل في هجرتهم الأولى إلى الحبشة، وسعوا إلى إقامتها وترسيخها ونشرها بعد هجرتهم الثانية إلى المدينة المنورة.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1] أخرجه البيهقي في السنن (9/ 16).

[2] كما ورد في حديث أنس رضي الله عنه قال: أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما، فقدمت امرأة فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: «صحبهما الله، إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط»

فتح الباري (7/ 188-189).

[3] أخرجه ابن خزيمة في “التوحيد” [1/ 246]، وانظر: (العلو) للذهبي ص82-83.

[4] الهيتمي: الزواجر 2/114، عن ابن مسعود (رض) بإسناد جيد، وعن معاوية (رض) ورواته ثقات.

وأخرج ابن ماجة وغيره من حديث جابر بن عبد الله: لمَّا رجَعتُ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ مُهاجرةُ البحرِ قالَ ألا تحدِّثوني بأعاجيبِ ما رأيتُمْ بأرضِ الحبشَةِ قالَ فِتيةٌ منهم بلَى يا رسولَ اللَّهِ بينا نحنُ جلوسٌ مرَّت بنا عجوزٌ من عجائزِ رَهابينِهِم تحملُ علَى رأسِها قُلَّةً من ماءٍ فمرَّت بفتًى منهم فجعلَ إحدى يدَيهِ بينَ كتفيها ثمَّ دفعَها فخرَّت علَى رُكْبتَيها فانكسَرت قُلَّتُها فلمَّا ارتفَعتِ التفتَتَ إليهِ فقالَت سوفَ تعلَمُ يا غُدَرُ إذا وضعَ اللَّهُ الكرسيَّ وجمعَ الأوَّلينَ والآخِرينَ وتَكَلَّمتِ الأيدي والأرجلُ بما كانوا يَكْسِبونَ فسوفَ تعلَمُ كيفَ أمري وأمرُكَ عندَهُ غدًا قالَ يقولُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: “صدَقَتْ صدَقَتْ كيفَ يقدِّسُ اللَّهُ أمَّةً لا يؤخَذُ لضَعيفِهِم من شديدِهِم”.

أخرجه ابن ماجه (4010) واللفظ له، وأبو يعلى (2003)، وابن أبي حاتم في التفسير (18954).

[5] متفق عليه: البخاري (3475) ومسلم (1688).

[6] النساء: 58.