أول لحظات الدعوة

 

من أول لحظات الدعوة، وبعد لقائه بجبريل عليه السلام، رجع سيدنا محمد ﷺ خائفاً إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يقص عليها ما حصل، قائلاً لها: “‏لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي‏”‏‏، فأجابته رضي الله عنها بكلمات هي بمثابة مبدأ عظيم من أوائل المبادئ التي تأسس عليها ديننا الحنيف، من أول لحظات الدعوة؛ قَالَتْ: “كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ” (صحيح البخاري)‏.‏

 

هذه المكارم الخمسة التي عددتها السيدة خديجة رضي الله عنها في شخصية النبي ﷺ الإنسان، حتى من قبل أن يكون نبياً مرسلاً، هذه المكارم هي بمثابة صمام الأمان للإنسان في الدنيا، وهي كذلك حقاً في الآخرة؛ أما صلة الرحم فتقتضي حُسن المعاملة مع الأقارب والأباعد؛ فمن راعى حق القريب، يظن به خيراً في رعاية حق البعيد، ومن ضيَّع حق القريب فهو لحق البعيد أضيع، وأكد الرسول ﷺ بعد الإسلام على معنى صلة الرحم في كثير من الأحاديث، في مقدمتها: “مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ” (صحيح البخاري)؛ فصلة الرحم سبب للبركة في العمر والرزق.

 

وحمْل الكلِّ تعني إعانة الضعيف الذي لا يجد قوة لتسيير أموره؛ فقد تكون بحمله حقاً على ركوب أو دابة، أو قد يكون حمله بمعنى حمل همّه ومسؤوليته وإعانته على القيام بها، ولما جاء الإسلام أكد على هذا في كثير من الأحاديث، منها قوله ﷺ: “‏مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ” (صحيح مسلم)، أي من كان معه متسع على دابته، أو له دابة زائدة عن حاجته فليشاركها أو يعطها لمن هو بحاجة إليها ولا يجد لها سبيلاً.

 

أما كسب المعدوم؛ فالمعدوم هو الذي لا يجد مالاً يسد رمقه، ولا يجد عملاً يدر عليه مالاً، فكان ﷺ يُكسِب هؤلاء ما ليس لديهم وما هم بحاجة إليه، كرماً منه وتفضلاً، وقد قال ﷺ بعد الإسلام في تتمة الحديث الذي ذكرناه سابقاً: “وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ” (صحيح مسلم).

 

أما إكرام الضيف، فقد كان ﷺ خير مثال للكرم والجود لضيوفه قبل الإسلام وبعده، وهذه لا شك من عادات العرب القديمة التي تدل على شهامتهم وأصالتهم، وجاء الإسلام ليؤكد عليها: “مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ‏”‏،‏ قَالَ (الراوي): وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ‏”‏يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ” (صحيح البخاري). بل جاء الإسلام وفرّق بين الإكرام والإسراف؛ فحث على الأولى ونبذ الثانية: “ولا تسرفوا” (الأعراف: ٣١).

 

ونوائب الحق، هي ما يصيب المرء أحياناً من حقوق الآخرين، فكان ﷺ معيناً لهم في ذلك، يحمل معهم ويعينهم على أداء حقوق الآخرين، طالما أنها مطالب محقة عادلة، أما إن كانت ظالمة باطلة فهو أول الرافضين لها ﷺ، بل ويعين أصحابها على مواجهة ما ينزل بهم من الظلم. وقد نفهم هذه الجزئية بأنه ﷺ كان يعين الناس فيما ينزل بهم من نوائب ومصائب، يقف مسانداً وداعماً لهم حتى يخرجوا من محنتهم، وقد حث في حديثه الشريف ﷺ على ذلك مراراً، من أبلغها قوله: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى‏” (صحيح مسلم).

 

لو نظرنا في هذه المكارم الخمس لوجدنا أنها تتعلق بالمجتمع وأبنائه، وقد تحقق بها ﷺ تمام التحقق، فغدا مثلاً للقائد المجتمعي، المحب المخلص لوطنه وقومه، وبعد الإسلام ازداد ألقاً بهذه المكارم وبريقاً، وكم نحن بحاجة إلى تمثل صفاته ﷺ في مجتمعاتنا اليوم! هذا حاله قبل الإسلام وقد أعده الله لحمل الرسالة ونشر الدعوة بين العالمين، ومن أراد من أبناء أمته أن يكون حاملاً لرسالته ﷺ، ومثالاً عليها، فلا بد له من أن يتمثل خلقه ﷺ قبل الإسلام وبعده، ومن قصر في هذا، فقد قصر في حبه ﷺ.

 

أما قول أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها: “كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا”؛ فهو دلالة على أن من تمثل هذه الصفات لن يضيع له جهد، ولن ينال من عزيمته ضد، بل هو معانٌ من الله تعالى، كيف لا؟ وقد وفِّقَ لهذه المكرمات بإذنه سبحانه؟ وقد فصّل الله ذلك في قرآنه: “إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا” (الكهف: ٣٠)، فكما كان سيدنا محمد ﷺ نِعم المثال قبل الإسلام وبعده، كانت هي نِعم المؤمنة بفطرتها قبل الإسلام، وتوجت ذلك بدخولها الإسلام قبل كل أحد فيما بعد، فلعلنا اليوم إن عجزنا أن نتمثل سيدنا محمد ﷺ وأمنا السيدة خديجة رضي الله عنها بعد الإسلام، أن لا نعجز أن نتمثل حالهما قبل الإسلام!

 

 

 

وكتبه الشيخ جعفر حوى