إعدادُهُ ومَسيرُه

لما بعث الله نبيه الكريم محمداً ﷺ بالهدى والنور، بعثه بمهمة عظيمة تعجز الجبال عن حملها؛ فكما أن الإنسان حمل الأمانة التي عجزت عنها السماوات والأرض والجبال، فإن محمداً ﷺ قد حمل الأمانة التي لا يستطيع أحد من بني الإنسان حملها، إلا من كان له العون من الله، وهذا الذي أعد الله نبيه ﷺ له، حتى يكون خاتم الرسالات، وحامل الأمانة الحق إلى قيام الساعة، ولا غرو أنه قد أُعد لهذه المهمة مبكراً جداً، حتى عُرِف بين العالمين بالصادق الأمين.

ما أن بدأت دعوته ﷺ إلا وبدأت معها التحديات الجسام، ومن كانوا بالأمس يمدحونه ويَعدُّونه أصدقهم حديثاً وأكثرهم أمانة، باتوا أول الأعداء وألدهم خصاماً، والأكثرُ إيلاماً أن من تنبغي عليهم النصرة ويرتجى فيهم السند، كانوا أول المنقلبين؛ كما قال له عمه أبو لهب: ” تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا” (صحيح البخاري)، وقد جمعهم ﷺ لما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة.

” لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ” (صحيح البخاري)، بهذه الكلمات خاطب ورقة بن نوفل ابن عم خديجة رضي الله عنها رسول الله ﷺ، لتبدأ فصول التضحية في سبيل الدعوة، من رسول الله ﷺ وأهل بيته وأصحابه من الرجال والنساء، وأتباعه من بعده من المصلحين والدعاة إلى قيام الساعة، لسان حالهم: لولا المِحَنُ لشككنا في الطريق.

لكن هذه التضحيات ما نالت من عزمه، وما فتت من عضده ﷺ، بل كانت زاده في الطريق، وبشارة النجاة من بعده لكل رفيق: “حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا” (يوسف: ١١٠)، ليس حباً بالابتلاءات، وتلذذاً بالبكائيات، لكنه والله حال الدعاة، ولكل زمان رجاله، يقدر الله لهم أن يحملوا الأمانة، ويقتفوا سنن المصطفى ﷺ في الدعوة إلى الله، فينالهم ما ينالهم من التشويه والملاحقة، والظلم والمهانة، والمحاربة في الوطن والرزق والولد… لكن أنّى لمن غرفوا من معين محمد ﷺ أن يذلوا، وأنّى لهم أن يستقيلوا أو يُقالوا، إنما هم لله، نذروا أرواحهم له، وقدموها رخيصة في سبيله، عرفوا الغاية جيداً، فسلكوا لها كل طريق، وقدموا لأجلها كل غالٍ ونفيس.

ولأن الله مولانا “نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ” (الأنفال: ٤٠)، تجلّت عنايته لسيدنا محمد ﷺ، والتي لا شك ماضية إلى قيام الساعة، لكل من اقتفى أثره وسار بخطوه في الدعوة إلى الله. ومن هذه العناية ما كان سبحانه وتعالى يتجلى به على سيدنا محمد ﷺ من القرآن الكريم يتنزل به الملك جبريل عليه السلام، قائلاً له مرة: “إِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا” (الطور: ٤٨)، ومرة: “مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ” (الضحى: ٣)، ومرة ينزل عليه سورة كاملة تُذهب ما فيه صدره من الضيق، وتُزيل عنه وحشة الطريق، قائلاً له: “أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ، فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ” (الشرح: ١-٨).

كم توقف العلماء والمفسرون عند هذه السورة العظيمة! التي جاءت تتحدث عن زاد الداعية إلى الله، وعن وِجهته ومقصده، وعما يتعرض له بينهما؛ فرحلة الدعوة لا تكون من غير زاد، وإلا انقطع الطريق وتاهت الوِجهة.

أما زاد الداعية كما تقدمه الآيات الأربع الأُول في سورة الشرح، فيتلخص بسعة الصدر وتحمل أخطار الدعوة ومشاقها، من غير تململ ولا تذمر: “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” (آل عمران: ١٥٩)، ثم بالحال مع الله في دوام التوبة وطلب المغفرة، والتعالي على المعاصي كبيرها وصغيرها، التي تحجب عن الله، وتحجب عن الداعية عبادَ الله، فلا يلقى صدى لدعوته إلا باستقامته واتزانه: “فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ” (هود: ١١٢)، ثم يلقى الداعية نتاج الآيتين الأولين برِفعة الذكر بين العالمين، إن في حياته أو بعد مماته، لكنه حتماً يكون من المحمودين عند الله وعند العالمين. ورِفعة ذكره ﷺ أكثر من أن يحاط بها، وأكتفي بما قاله الإمام النسفي رحمه الله: (ورفع ذكره أن قُرن بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد، وفي غير موضع من القرآن: “أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ”، “وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”، “وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ”، وفي تسميته رسول الله ونبي الله، ومنه ذكره في كتب الأولين).

أما عن رحلة الدعوة الملأى بالتضحيات، فهي تزخر بالعطاءات إلى جنب التضحيات، وإذ يُكرر الله قوله “فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”، يكرره ليُعزز الإيمان به، ويقَوي الدعاة إلى الله في طريقه؛ فلا يتراجعوا ولا يتأخروا، لأن اليُسر والخلاص هناك في الطريق، لا قبله ولا بعده، بل إنها معه ترافقه خطوة بخطوة، مع مداومة الدعوة فإن اليُسر في طريقها، يحضر اليسر ويدوم خلالها.

وأما ثمرة الدعوة، فهذي والله من الأعاجيب، يظن القارئ أن الله يختم رحلة الدعوة باستجابة الناس لها، والتمتع ببركاتها، ودخولهم أفواجاً تحت ظلالها، لكنه سبحانه يعطي الدرس الأعظم أن الدعوة لم تُقصد لأجل الناس فقط، ولا لأجل تصديقهم إياها فحسب، بل هي دعوة إلى الله لتزكية نفس الداعية أولاً، وتوجيه البوصلة إلى الله، حتى وإن لم يستجب لها أحد من الناس، فإنها قد تحقق مرادها وتؤتي أكلها على الداعية نفسه، وهذا بيت القصيد. تُختم السورة المباركة بأمرين اثنين: “فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ”، أمر بالثبات على الدعوة، وعدم التخلي عن مضامينها، والتعب والمثابرة لأجلها، وتجديد النية لله في كل دقائقها وتفاصيلها، وهذه والله نِعم الثمرة، ونِعم النِتاج، يصدِّق هذا ما قاله الله تعالى: “إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ” (القصص: ٥٦)؛ فالهداية على الله، وأنت أيها الداعي ما عليك “إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ” (النور: ٥٤)، ولا يتعلق الداعي بأتباع ولا حظ نفس يجده في هذه الدنيا، ولا بمنافع لا تنفك تزول وتذوب، بل يسعى إلى الله، ولا يسأم من مداومة السعي: “وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ” (النجم: ٣٩-٤٠)؛ فالذي يحاسب عليه الداعية إنما هو الطريق الذي سلكه، والسعي الذي بذله، لا عدد الأتباع ولا كثرة المعجبين.

سورة الشرح جاءت في نصفها تتحدث عن إعداد، وفي نصفها الآخر تتحدث عن مسير، والمسير نصفه تضحية ونصفه ثبات، وهذا ما نلقاه ماثلاً في سيرة المصطفى ﷺ، وقد أعدَّ ثلاث عشرة سنة في مكة، وسار بالدعوة عشر سنين في المدينة، فكان النِتاج فوق الوصف، وأغرب من الخيال، لتخرج إلى النور أمة كانت تقبع في أوحال الظلام، وتغدو أعلى الأمم وقد كانت أدناها، وتحفظ الذمم وقد كانت أكثر إضاعة لها.

في شهر مولده ﷺ، نستذكر رحلة دعوته، ونستلهم منها بريق النور، نُذهب به حيرة تغشى عقولنا، وغشاوة ربما غطت عيوننا، فنجتهد من جديد، ونسلك دربه المديد، بعزم لا يلين، وهمة تناطح السحاب، فسلام الله عليك يا سيدي يا رسول الله، ذكرك انشراح للصدر، واتباعك نور في القبر.

وكتبه الشيخ جعفر حوى