بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع الهجرة

الوقفة الثالثة

الأمن: حق لا مكرمة[1]

 

«اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي (أي آمنون)، من سبكم غرم ، من سبكم غرم، والله ما أحب أن لي دبرا (أي جبلا) من ذهب ، وأني آذيت أحدا منكم»[2].

كانت هذه كلمات النجاشيّ ملك الحبشة للثلة المهاجرة إلى بلاه، والتي أعلن بها حماية هؤلاء المهاجرين إلى بلاده، سواء من بطش قريش، التي أوفدت سفرائها لإقناع النجاشي بتسليمهم لهم وإعادتهم إلى مكة، كما من التعرض لهم بسوء من طرف أهل تلك البلاد.

تعبر هذه العبارات الوجيزة عن مبدأ إنساني وأخلاقي وديني هام، ألا وهو ضمان حقّ الأمن – على مختلف المجالات والمستويات – لجميع الأفراد والرعايا، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعقدية، وتوجهاتهم الفكرية السياسية.

والذي يتأمل الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ويقرأ السيرة والتاريخ الإسلامي قراءة منصفة، يعلم أن هذه القيمة كانت من أهم القيم التي رسخها الإسلام.

فقد اعتبر القرآن الأمن من النعم الأساسية التي أنعم الله بها على عباده، سواء في ذلك الأمن الاقتصادي والغذائي، أو الاجتماعي والسياسي، أو الفكري والديني.

وقد امتن على قريش بهذه النعمة في آيات عديدة، كما في سورة قريش حيث امتن عليهم بالأمن الغذائي والاقتصادي، كما بالأمن الاجتماعي والسياسي: “الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”[3]، وأعاد تذكيرهم بهذه النعمة، مع تحذيرهم من فقدانها، من خلال حثهم على المقارنة بين ما هم فيه من نعمة الأمن، وما تكابده الناس من حولهم جراء فقدان هذه النعمة، في قوله تعالى: “أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم، أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون”[4]، إلى أن وبخهم أخيرا على ما جرّوه على أنفسهم – بسبب كفرهم بأنعم الله، وعدم اتعاظهم بما ضرب لهم من الأمثال بمن حولهم – من فقدان هذه النعمة، حتى أصبحوا هم أنفسهم مضرب المثل ومحلّ الاعتبار، فقال: “وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون”[5].

وإذا بحثنا في الأحاديث النبوية، نجدها تزيد هذه القيمة ترسيخا وتوضيحا، فهذا الرسول (ص) يؤكد على أهمية الأمن الاجتماعي، والغذائي، والصحي، ويعتبرها أساسيات لا يمكن للإنسان القيام بواجباته الدينية والدنيوية على الوجه المطلوب دون توفرها، في قوله: “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا”[6].

وأما حين ندرس السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المبكر، فإننا سنكتشف بوضوح مدى أهمية هذه القيمة، منذ البدايات الأولى للإسلام.

فإن أحد أهم أسباب اختيار الرسول (ص) لبلاد الحبشة مهاجَرا لأصحابه، إنما كان لكونها أرض أمن، تأمن فيها تلك الثلة المهاجرة على أنفسها ودينها، إلى أن يشتد عود الإسلام وتشب دعوته عن الطوق.

وقد لمح العلماء المسلمون هذا الملمح في أغراض الهجرة، ونبهوا عليه، يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: “يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإيَّايَ فَاعْبُدُونِ”[7]: “هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدِّين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدِّين”، ثُمَّ قال: “ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك[8].

وقد تحققت فراسة الرسول (ص) وصدق ظنه في بلاد الحبشة وحاكمها النجاشي، وتحقق للمسلمين ما كانوا يصبون إليه من الأمن والاطمئنان في ظل حكم ملكها العادل. تسجل لنا أم سلمة (رض) هذه الحقيقة حين قالت رضي الله عنها: “لمَّا نزلنا أرض الحبشة؛ جَاوَرْنـا بها خيرَ جارٍ، النَّجاشيَّ، أَمِنَّـا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نُؤْذَى”[9].

وهنا يتبادر السؤال: ما دامت الحبشة أرض أمن وأمان، فلماذا لم يهاجر إليها الرسول (ص) بنفسه، ويدعوا جميع أصحابه للهجرة إليها؟

والجواب: أن النبي (ص) وأصحابه (رض) لم يكن غرضهم مجرد الإقامة في بلاد تتمتع بالأمن، وإنما إقامة نظام يضمن الأمن والأمان لجميع رعاياه، ويحمل هذا المبدأ إلى البشرية ويسعى إلى ترسيخه فيها.

وقد كان الرسول (ص) يبشر أصحابه بتحقق ذلك، دونما ريب، رغم ما كانوا يعانونه من التعسف والظلم على يد مشركي قريش، مبينا لهم مقدار ما سينعم به الناس من الأمن والأمان تحت ظل الإسلام حين تقوم دولته وتنتصر دعوته: “وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”[10].

وبعد أن تحقق ذلك، وانتصر الإسلام على كثير من أعدائه، ودانت له معظم جزيرة العرب، نجد الرسول (ص) يبشّر بنفس البشارة، ولكن على مستوى أوسع، فهو يبشّر بأن هذا الأمن سيعم العالمين مع انتشار الإسلام، وتوسعه في البلاد، فيقول (ص) لعدي بن حاتم الطائي: “فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف أحدا إلا الله”[11].

وقد تحققت بشارته (ص)، كما يسجل ذلك لنا عديّ في نفس الحديث، فيقول: “فقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت لا تخاف إلا الله”[12].

فقد سعى الإسلام إلى إقامة نظام يكون العدل فيه حقا أساسيا ثابتا لكل الرعايا، لا مكرمة يستجديها الإنسان من غيره، ولا يقايض في مقابلها حقه في الرزق أو الصحة أو التعليم أو العمل أو حرية التعبير أو أية حقوق أخرى من حقوقه الثابتة.

أما مجرد البحث عن مكان آمن للإقامة فيه، فهو وإن صلح للحفاظ على رصيد من المؤمنين، تحسبا لما قد يجري للدعوة الأم في مكة، إلا أنه لا يصلح لإقامة نظام الأمن الذي يسعى إليه الإسلام، ويصبوا إليه المؤمنون، بل إن هذا الأمن نفسه قد تعرض لتهديد خطير، حين خرج على النجاشيّ من ينازعه الملك، وقد سجل لنا مهاجروا الحبشة هذه الحادثة الخطيرة، التي عرضتهم لخطر مكابدة اللجوء والتشرد مرة أخرى، حيث تعرض هذا الملاذ الآمن للتهديد، وممن سجل أثر هذا الحدث الجلل على هؤلاء المهاجرين أم سلمة (رض) حيث قالت: “فوالله ما علمتُنا حزنَّا حُزنًا قط كان أشدَّ علينا من حُزنٍ حزِنَّاه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه”، كما تسجل السعادة الغامرة لهؤلاء المهاجرين حين بلغهم نبأ انتصار النجاشي على عدوه المنقلب عليه: “فوالله، ما علمتُنا فرحنا فرحة قط مثلها”[13].

إن ما تعانيه كثير من بلدان العالم الإسلامي اليوم، من فقد للأمن، على مختلف الأصعدة والمستوات، سواء الأمن الاجتماعي والسياسي، والغذائي والاقتصادي، والفكري والسياسي، قد حول الهجرة إلى بلدان أخرى تتمتع بنعمة الأمن أشبه بالحلم لدى كثير من مواطني ورعايا تلك البلاد.

وهذا يلقي على مجتمعاتنا المسلمة المهاجرة دورا هاما في:

  1. الحفاظ على قيمة الأمن في البلدان التي تقيم فيها، والعمل الدائم على مواجهة كل من يحاول الاعتداء على هذا الحقّ، بما في ذلك الأمن الديني والفكري، الذي تتعرض كثير من المجتمعات الإسلامية حول العالم إلى هجمات ممنهجة لتجريدها منه.
  2. ومن ثم محاولة تعميم هذا الحقّ في المجتمعات والبلدان التي تفتقر إليه، والتي من ضمنها بلدانهم الأم، التي هاجروا منها سعيا للحصوص على الأمن والأمان.

ويجب أن نبقي في اعتبارنا: أن الاعتداء على الأمن الديني والفكري للمجتمعات، ليس سوى مقدمة السطو على حقوق الناس وأمنها على مستوى المعيشة، والعمل، والتعليم، والعلاج، إلخ، وقد سجل لنا القرآن هذه الحقيقة حين ضرب المثل بقريش، التي خسرت أمنها الاقتصادي والسياسي، وذاقت لباس الجوع والخوف، بسبب تعديها على حقّ المؤمنين في حقوقهم الدينية والفكرية. الأمر الذي يمكن أن يتكرر في حقّ أي دولة أو مجتمع يتجرأ على انتهاك هذه الحقوق ومصادرتها.

إن العدل والأمن، قيمتان مرتبطتان، لا تكادان تنفصلان، وما تعانيه كثير من البلدان حول العالم، من ظلم لشعوبها، وانتهاك لحقوق رعاياها في الأمن، على مختلف مجالاته ومستوياته، هو الذي يضعضع أركان هذه الدول والمجتمعات، فتختل منظومة الأمن فيها اختلالا تاما، مما يحدوا بتلك الأنظمة والحكومات إلى إنفاق المليارات في سبيل تأمين نفسها داخليا وخارجيا، وهي – رغم كل ذلك – تعيش في قلق مستمر وتوجس دائم، خائفة من ثورة الجياع المقهورين من شعوبها، أو طمع الطامعين في الاستيلاء على ما تحت أيديها، سواء بالانقلابات والمؤامرات الداخلية، أو بالعدوان والاحتلال الخارجي، حيث لا تجد من أبناء شعبها من يدافع عنها ويحرص على بقائها، كيف وقد أذاقته لباس الجوع والخوف، فهو يتمنى أن يذيقها أعداؤها مما أذاقته إياه.

وما كان أغناها عن ذلك، لو طبقت نظام العدل، وأنفقت جزءا من هذه المليارات في تحقيق الأمن الغذائي والاقتصادي، وتوفير مناخ آمن للمارسة الحريات الدينية والسياسية والفكرية، وتوفير مقومات العيش الكريم وحقوق الناس في العلاج والتعليم والعمل، إذن لاستغنت عن حاجتها إلى كل هذه النفقات الباهظة في تكبيل الناس وتقييد حرياتهم، من أجل تأمين نفسها داخليا، وإنفاق أكثر ميزانياتها في اقتناء السلاح واجتلابه لتأمين نفسها خارجيا، لأنها لو طبقت نظام العدل، لكان لها من رعاياها من يحافظ عليها ويناصرها ويلتف حولها، لو أحاق بها خطر داخلي أو خارجي، كونها تضمن له حقوقه ورفاهياته، فلا يفرط فيها.

وقد أدرك العقلاء هذه المعادلة منذ القدم، فقالوا القولة المشهورة: (العدل أساس الملك)، فلا يأمن مُلك إن لم يقم على أساس العدل الذي يوفر له ولرعاياه الأمن والأمان. تلك المعادلة التي طبقها المسلمون الأوائل أتم تطبيق، مما حدى بسفير الرومان، وقد رأى عمر بن الخطاب (رض) نائما على الأرض، مفترشا التراب، أن يقول: (عدلت … فأمنت … فنمت).

في المقالة القادمة، سأتطرق إلى قيمة أخرى من القيم العليا التي حرص المسلمون الأوائل على تحصيلها، وتحملوا مشقة التغرب والهجرة عن الأهل والأوطان في سبيل تحقيقها، وهي قيمة العمل والإنتاج والبعد عن الاتكالية والاستغلال.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

 

 

[1] الحلقة الثالثة ضمن سلسلة (وقفات مع الهجرة).

[2] سيرة ابن هشام 1 / 235-236.

[3] قريش: 4

[4] العنكبوت: 67.

[5] النحل: 112.

[6] أخرجه البخاري في “الأدب المفرد” (رقم/300) والترمذي في “السنن” (2346) وقال : حسن غريب.

قال الشيخ الألباني رحمه الله بعد تخريجه الحديث عن جماعة من الصحابة: “وبالجملة ، فالحديث حسن إن شاء الله بمجموع حديثي الأنصاري وابن عمر. و الله أعلم . اهـ. “السلسلة الصحيحة” (رقم/2318).

وستكون لنا وقفة مع معاني هذا الحديث في مقالة قادمة إن شاء الله تعالى.

[7] العنكبوت: 56.

[8] تفسير ابن كثير (6/ 290)

[9] سيرة ابن هشام (1/ 235)

[10] أخرجه البخاري (3612) من حديث خباب بن الأرتّ (رض).

[11] أخرجه البخاري (3595)، ومسلم (1016)

[12] تقدم تخريجه.

[13] الهجرة الأولى في الإسلام، ص19.