بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع الهجرة

الوقفة الثانية: الحرية المسؤولة

 

«فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا في ديننا، ليَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنَّا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألَّا نُظلم عندك أيُّها الملك»[1].

كانت هذه كلمات جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – النجاشيَّ ملك الحبشة، نيابة عن الثلة المهاجرة إلى بلاده، في مواجهة سفراء قريش الذين أوفدتهم لإقناع النجاشي بتسليمهم لهم وإعادتهم إلى مكة.

تعبر هذه الكلمات الوجيزة عن مبدأ إنساني وأخلاقي وديني عظيم، ألا وهو ضمان حرية التديّن والإيمان، وعدم إجبار الإنسان على دين لا يؤمن به، ولا يقتنع بصحته.

وقد كان البحث عن هذه القيمة العظيمة، أعني حرية التديّن والاعتقاد، وضمان بيئة تحترم فيها معتقداتهم، ولا يتم فيها إكراههم فيها على ترك إيمانهم، والتنكر لدينهم، من أهم الأسباب التي دفعت بعض المسلمين الأوائل إلى قصد بلاد الحبشة مهاجرين إليها بأمر من الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد كنت تطرقت في المقالة السابقة إلى قيمة العدل، وأهميتها في اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لبلاد الحبشة وملكها النجاشي ليكونوا ملاذا آمنا لبعض المسلمين الأوائل.

إن العدل والحرية قيمتان متلازمتان لا تنفكان عن بعضهما البعض، فإن العدل يقتضي توفير الحرية، والحرية لا تنضبط ولا تكون حرية نافعة دونما عدل، يضبطها ويمنعها من التحول إلى انفلات وفوضى.

لقد حرص الإسلام منذ بداياته على ضمان هذه القيمة العليا؛ قيمة الحرية، خاصة فيما يتعلق بحرية الإيمان والعبادة والتديّن، ولذلك نجد أوائل الآيات القرآنية ترسخ هذا المبدأ وتؤكد عليه: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”[2].

وحين هاجر الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة، وقامت دولة الإسلام، وتأسس المجتمع المسلم، فإن أحد أهم المبادئ التي بنيت عليها هذه الدولة، وذلك المجتمع، كان توفير حرية الإيمان والتديّن للجميع، ولذلك نجد الآيات المدنية تؤكد من سبق وضعه من المبادئ في الآيات المكية، كما في قوله تعالى في سورة البقرة – وهي من أوائل السور المدنية – : “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ”[3].

ولم تكن هذه المبادئ مجرد شعارات وتنظيرات، وإنما تم تطبيقها فعلا على أرض الواقع، فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – رغم تمكنه من زمام الأمور في المدينة بٌعيد هجرته إليها، إلا أنه لم يكره أهلها على الإسلام، وما دخل منهم في الإسلام أحدٌ إلا طائعا مختارا، ولذلك بقيت عدة بطون من أهل المدينة على دينها الوثني، ولم تدخل الإسلام إلا بعد معركة الخندق، التي وقعت بعد خمس سنوات كاملة بعد هجرته إليها صلى الله عليه وسلم[4]. كذلك فإنه لم يكره أحدا من قبائل اليهود المقيمين حول المدينة على الدخول في الإسلام.

إلا أن إطلاق الحريات، وتوفير مناخ حرية الإيمان والتعبد، لا يعني – بحال – السماح بالتعدي على حقوق الآخرين، ولا يجيز – أبدا – التعرض لمعتقدات الآخرين بالإساءة والازدراء، أو إطلاق يد المفسدين لإضلال الناس بطرق ملتوية وأساليب غير شريفة.

ومن ذلك أن جماعة من الكارهين للإسلام كانوا يعلنون دخولهم في الإسلام ظاهرا، حتى إذا سكن المسلمون إليهم، عادوا فارتدوا معلنين السَّخَط على الدين وعدم الرضى به، ليفتنوا المسلمين عن دينهم ويصدوهم عن سبيله[5]. وقد ذكر الله – تعالى – هذه المكيدة منهم في كتابه: “وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”[6]، ولعل هذا كان أحد أسباب مشروعية إنزال العقوبة المعروفة بـ “حدّ الردة” بمن فعل مثل هذا الصنيع.

إن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم – قد تجاوزوا في أهدافهم مجرد البحث عن بلد يقيمون فيه، يوفر لهم مناخ الحرية، ويتيح لهم أن يعبدوا ربهم ويقيموا شعائر دينهم دون أذى أو مضايقة، تجاوزوا ذلك إلى إقامة نظام وتأسيس حضارة تحترم الإنسان، وتراعي حقه، وتحفظ كرامته، سواء كان مسلما أو غير مسلم، وشعارها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!”.

إن هذه الحرية قد كفلت لجميع الشعوب والأمم والحضارات التي انضوت تحت حكم المسلمين الحق في الحفاظ على مبادئها الدينية، وقناعاتها الإيمانية، دون مساس بحقوق الآخرين ومعتقداتهم.

ولذلك نجد أن المسلمين، رغم أنهم فتحوا أقاصي البلدان، وبلغوا إلى أطراف العالم المعروف في تلك الأزمنة، وخضع لحكمهم وأديان ومذاهب وثقافات مختلفة، إلا أنهم لم يكونوا ليجبروا هؤلاء على اعتناق الإسلام، وإنما غاية ما يهدفون إليه أن يبلغوا دعوة الإسلام إلى الناس، ومن ثمّ يتيحون لهم فرصة الاختيار عن رضا واقتناع.

ولذلك نجد البلدان التي حكم المسلمون بعضها ما يزيد على الألف عام، ولا تزال تنتشر فيها الأديان والمعتقدات المختلفة؛ من يهودية ومسيحية وهندوسية وبوذية، إلى غير ذلك من الأديان والمعتقدات المختلفة، ولو كان غرض المسلمين إكراه هؤلاء على الإسلام لما بقي من يدين بشيء من هذه الأديان في بلاد المسلمين بعد مئات من السنوات من حكم الإسلام لها.

بل نجد أن أتباع الأديان الأخرى، كانوا يفرون بأديانهم إلى بلاد المسلمين، التي كانت تكفل لهم حرية التديّن والعبادة، كما فعل يهود الأندلس حين فروا من الاضطهاد المسيحي، ومحاكم التفتيش البابوية، إلى المغرب الإسلامي، بعد سقوط الأندلس.

إننا كمسلمين في الغرب، ننعم – إجمالا – بمستويات جيدة من الحرية الدينية، ونستطيع أداء الكثير من أحكام ديننا وشعائره دون أن نتعرض للمضايقة والأذي في معظم الأحيان، خاصة إذا قارنا ذلك بالعديد من الدول الأخرى التي تضيق على المؤمنين، وتمنعهم من أبسط حقوقهم الدينية، والتي يندرج ضمنها – للأسف – بعض الدول “الإسلامية”.

إلا أن هذه الحرية تتطلب منا أمورا يجب أخذها بعين الاعتبار:

  1. أولا: أن ننطلق – كمسلمين في الغرب – نحو مستوى متقدم في رعاية هذه الحريات والحفاظ عليها، فلا يكفي أن ننعم بهذه الحريات المتاحة لنا – بقدر متفوات – في عدد من البلدان الغربية، بل يجب علينا أن نكون جزءا أساسيا ومكونا حقيقيا ضمن منظومة هذه الحريات، نحافظ عليها، ونحترمها، ونوجهها نحو الوجهة السليمة في إعلاء شأن الفرد والمجتمع والمحافظة عليهما.

وهذا يتطلب منا الانخراط في العديد من المناشط السياسية والاجتماعية والقانونية المتنوعة، كي نكون نثبت أنفسنا جزءا لا يتجزأ من منظومة إقامة هذه الحرية والحفاظ عليها وتوجيهها.

  1. ثانيا: أن الحرية لا يجوز أن تستخدم بمعزل عن المسؤولية، فإن استخدام الحرية الشخصية بلا مسؤولية يؤدي إلى التعدي على حريات وحقوق الآخرين، وهو أمر مرفوض عقلا وقانونا وشرعا.

فعلى سبيل المثال: حرية اقتناء وحمل السلاح، المكفولة للمواطنين بحسب دستور البلاد، والمتاحة لهم في العديد من الولايات، إن لم يتم استخدامها بمسؤولية، فإنها تتسبب في مآس وكوراث لا حصر لها.

كذلك، فإن المبالغة في منح الحقوق والحريات لبعض الفئات على حساب فئات أخرى، ليس سوى مجرد تعدّ سافر على حريات وحقوق هذه الفئات، والعدل ألا تكون الحرية المتاحة لطرف ما سببا في التضييق على حريات الآخرين أو منعهم من حقوقهم المشروعة.

  1. ثالثا: أن الحرية بالنسبة للمسلم يجب أن تكون مضبوطة بضوابط الشرع الإسلامي، فليست كلّ حرية متاحة في العالم الغربي مشروعة للمسلم من الناحية الدينية، وهذا أمر ينبغي لنا الانتباه له كمسلمين نعيش في العالم الغربي، وأن نعي مدى أهميته سواء على المستوى الشخصي أو الأسري أو الاجتماعي.

ختاما: فإن قيمة “الحرية المسؤولة” من أعظم القيم التي رسخها الإسلام، وسعى إلى تحقيقها وترسيخها المسلمون الأوائل، والتي ينبغي لكل مسلم أن يحملها كرسالة يسعى لنشرها في أرجاء الأرض، كما لخص ذلك ربعي بن عامر حين قال لكسرى: “إنما جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عباد الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”.

 

في المقالة القادمة، سأتطرق إلى قيمة أخرى من القيم العليا التي حرص المسلمون الأوائل على تحصيلها، وتحملوا مشقة التغرب والهجرة عن الأهل والأوطان في سبيل تحقيقها.

الشيخ الدكتور هيثم زماعرة

[1] سيرة ابن هشام 1 / 235-236.

[2] الكهف: 29.

[3] البقرة: 256.

[4] يذكر علماء السيرة في هذا المقام أن مصعب بن عمير قد أقام في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل، كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر- وكانوا يطيعونه- فوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق سنة خمس من الهجرة.

البداية والنهاية 4/381-382، الرحيق المختوم ص132.

[5] قال قتادة: قال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضا بدينهم أوّل النهار واكفروا آخره؛ فإنّه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم”.

وقال السُّدي: “كان أحبار قرى عربيّة اثني عشر حِبْراً، فقالوا لبعضهم: ادخلوا في دين محمد أوّلَ النهار وقولوا: نشهد أن محمداً حق صادقٍ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: إنَّا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدثونا أن محمداً كاذب، وأنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا؛ فهو أعجب إلينا من دينكم، لعلهم يشكّون، يقولون هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار؛ فما بالهم ؟ فأخبر الله – عز وجل – رسوله – صلى الله عليه وسلم – بذلك.

تفسير الطبري 5/496.

وانظر مقالة بعنوان: (الرّدة الأسباب والعقوبات وتهافت الشبهات) على موقع (طريق الإسلام).

رابط: http://iswy.co/e4945

[6] آل عمران: 72.