صحيح أن ذكاء المرء محسوب عليه، وأصحاب المواهب الخارقة كثيرا ما يدفعون الثمن في نفس الوقت الذي كان ينبغي أن يتلقوا فيه الجزاء والشكران، فالصحابي الجليل أبو هريرة واحد من هؤلاء رضي الله عنه.
فقد كان ذا موهبة خارقة في سعة الذاكرة وقوتها، كان رضي الله عنه يجيد فنّ الاصغاء، وكانت ذاكرته تجيد فن الحفظ والاختزان، يسمع فيعي، فيحفظ، ثم لا يكاد ينسى مما وعى كلمة ولا حرفا مهما تطاول العمر، وتعاقبت الأيام.

عندما نسمع واعظا، أو محاضرا، أو خطيب جمعة يقول تلك العبارة المأثورة :عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
عندما تسمع هذا الاسم على هذه الصورة، أو عندما تلقاه كثيرا، وكثيرا جدّا في كتب الحديث، والسيرة والفقه والدين بصفة عامة، فاعلم أنك تلقى شخصية من أكثر شخصيات الصحابة اغراء بالصحبة والاصغاء .
قدم على النبي عليه الصلاة والسلام سنة سبع وهو بخيبر، فأسلم راغبا مشتاقا، ومنذ ان رأى النبي عليه الصلاة والسلام وبايعه لم يكد يفارقه قط الا في ساعات النوم .
وهكذا كانت السنوات الأربع التي عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ ان أسلم، الى أن ذهب النبي الى الرفيق الأعلى، كانت تلك السنوات الأربع عمرا وحدها كانت طويلة عريضة، ممتلئة بكل صالح من القول، والعمل، والاصغاء .

أدرك أبو هريرة بفطرته السديدة الدور الكبير الذي يستطيع أن يخدم به دين الله ، وان أبطال الحرب في الصحابة كثيرون والفقهاء والدعاة والمعلمون كثيرون ايضا ، ولكن البيئة والجماعة تفتقد الكتابة والكتّاب .
ففي تلك العصور، وكانت الجماعة الانسانية كلها، لا العرب وحدهم، لا يهتمون بالكتابة، ولم تكن الكتابة من علامات التقدم في مجتمع ما ، أبا هريرة يدرك بفطرته حاجة المجتمع الجديد الذي يبنيه الاسلام الى من يحفظ تراثه وتعاليمه، كان هنالك من الصحابة كتّاب يكتبون ولكنهم قليلون، ثم ان بعضهم لا يملك من الفراغ ما يمكّنه من تسجيل كل ما ينطق به الرسول من حديث. لم يكن أبا هريرة كاتبا، ولكنه كان حافظا، وكان يملك هذا الفراغ، أو هذا الفراغ المنشود، فليس له أرض يزرعها ولا تجارة يتبعها !!
وهو إذا رأى نفسه وقد أسلم متأخرا، عزم على أن يعوّض ما فاته، ذلك بأن يواظب على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مجالسته، ثم انه يعرف من نفسه هذه الموهبة التي أنعم الله بها عليه، وهي ذاكرته الرحبة القوية، والتي زادت مضاء ورحابة وقوة، بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبها أن يبارك الله له فيها.

في محاولة لابي هريرة وكأنه يدفع عن نفسه مغبة تلك الشكوك التي ساورت بعض أصحابه فقال: “انكم لتقولون أكثر أبو هريرة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وتقولون: ان المهاجرين الذين سبقوه الى الاسلام لا يحدثون هذه الأحاديث…؟؟ ألا ان أصحابي من المهاجرين، كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وان أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم.. واني كنت امرءً مسكينا، أكثر مجالسة رسول الله، فأحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وان النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال: من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه اليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني. فبسطت ثوبي فحدثني ثم ضممته اليّ فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه. وأيم والله، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا، وهي: ” إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ “. هكذا يفسر أبو هريرة سر تفرّده بكثرة الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ..
فهو أولا كان متفرغا لصحبة النبي أكثر من غيره، وكان يحمل ذاكرة قوية، باركها الرسول فزادت قوة ، وكان لا يحدّث رغبة في أن يحدّث، بل لأن افشاء هذه الأحاديث مسؤولية دينه وحياته، والا كان كاتما للخير والحق، وكان مفرطا ينتظره جزاء المفرّطين .
من أجل هذا راح يحدّث ويحدّث، لا يصدّه عن الحديث صادّ، ولا يعتاقه عائق،  حتى قال له عمر يوما وهو أمير المؤمنين : ” لتتركنّ الحديث عن رسول الله، أو لألحقنك بأرض دوس ” ..أي أرض قومه وأهله .
وحين وليّ أبو هريرة البحرين ادّخر مالا، من مصادره الحلال، وعلم سيدنا عمر فدعاه الى المدينة .
ولندع أبو هريرة يروي لنا ما حدث بينهما من حوار سريع : ” قال لي عمر : يا عدو الله وعدو كتابه، أسرقت مال الله؟؟  قلت: ما أنا بعدو لله ولا عدو لكتابه، لكني عدو من عاداهما، ولا أنا من يسرق مال الله. قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟؟ قلت: خيل لي تناسلت وعطايا تلاحقت، قال عمر: فادفعها الى بيت مال المسلمين ” ودفع أبو هريرة المال الى عمر ثم رفع يديه الى السماء وقال: اللهم اغفر لأمير المؤمنين ” ..
وبعد حين دعا سيدنا عمر أبا هريرة، وعرض عليه الولاية من جديد، فأباها واعتذر عنها.
قال له عمر: ولماذا؟  قال أبو هريرة: حتى لا يشتم عرضي، ويؤخذ مالي، ويضرب ظهري.. ثم قال: وأخاف أن أقضي بغير علم وأقول بغير حلم.

قال عنه الامام الشافعي: ” أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. ”
وقال البخاري رضي الله عنه: ” روي عن أبو هريرة مدرسة كبيرة يكتب لها البقاء والخلود.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه من العابدين الأوّابين يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله فيقوم هو ثلثه وتقوم زوجته ثلثه وتقوم ابنته ثلثه وهكذا لا تمر من الليل ساعة الا وفي بيت أبي هريرة عبادة وذكر وصلاة.

وذات يوم اشتد شوقه الى لقاء الله، وبينما كان عوّاده يدعون له بالشفاء من مرضه، كان هو يلحّ على الله قائلا: ” اللهم اني أحب لقاءك، فأحب لقائي “.. وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة.
وبين ساكني البقيع الأبرار يتبوأ جثمانه الوديع مكانا مباركا.

أحمد المصطفى