رمضان هو موسم الحصاد، فالعبد بفهمه السليم وتصوره للمعنى تولد لديه طاقة ايمانية مما تنتج لديه قدرة روحانية والهاماً ربانياً من الحدس والخيال، لتصبح سلوكاً في حياته، لتصل به الى نسختك الخاصة من رمضان.

في رمضان علينا مباشرة كل الاشياء بمعنى، اي بأعلى مستوى من الحضور، ففي هذه المواسم عليك ان لا تحمل هم العطاء، بل احمل هم الوفاء، فمن الوفاء ان يتجلى هذا المعنى في افعالنا، اي انه لن تتحقق معيارية الجودة الا في الحضور.

قبل دخول هذا الشهر الكريم، لا بد من رؤية وهوية واضحة، تعمل خلال هذا الشهر الفضيل لتحقيق اهدافها وتوفير المناخ لها، رَوحانيات بلا تخطيط لا تكفي ابدا، رَوحانيات بلال وضوح للنتيجة والمخرجات التي تنتظرها ايضا لا تكفي مطلقاً، المطلوب رَوحانيات مع تخطيط ووضوح رؤية للوصول الى نتيجة، فهذا سيكون اسعد رمضان قد يمر علينا.

لوضوح هذه الرؤية، ثلاثة نقاط اساسية لا بد من الوقوف عندها، هي عناوين لمنهجية ادارية ناجحة لتحقيق النتائج المرجوة، بداية هنالك حالة من الفوضى الاصلاحية التي يعيشها الفرد في اي موسم من مواسم الخير، النقطة الثانية العفوية بالتخطيط، وأخيرا تصور النهاية التي تريد ان تصل اليها بعد رمضان، اي النتيجة. فعملية اصلاح النفس لا تحتاج ثورة حماس والاكثار من ختمات قراءة القران والاعمال التي لم تكن عليها خلال السنة فقط، ولا تؤخذ الاشياء بعفوية دون تخطيط خصوصا شهر كرمضان، وتصور النهاية التي تريد انت ان تكون عليها، ضروري لا بل وواجب.

السؤال: من تريد ان تكون في رمضان هذا العام؟

أحد السلف يقول: “الخلق في سبق الى الله، فالتكن اول سابق اليه”، لن اقول اول سابق اليه، انما أحسن سابق اليه وأمّيز سابق اليه. الصائمون كثر، والمتسابقون كثر، فمن سنكون من بين الصائمين؟ لقّب نفسك بشيء، اريد ان اكون دليل خير، اريد انجاح صوم الناس، فقد تكون ممن يتقوّى بالآخرين.

أو كن ذاك العبد الخفي، الذي يتدرب على اخفاء الاعمال لله، صدقة في الخفاء، صلاة في الخفاء، قضاء حوائج الناس في الخفاء، تفطير الناس واطعامهم في الخفاء، صاحب خير كثير، دون ان يُعلم عنك، فهويتك ان تتربى على الخفاء.

أو كن كالريح المرسلة، لم لا؟ الله سبحانه وتعالى يجيب الأمنيات، عرفنا ام لم نعرف… يقول صلى الله عليه وسلم: “ليس شيء أكرم على الله من الدعاء”، تمنى على الله وادعوه، تمنى على الله ان تكون الريح المرسلة، كيف؟ ما المقصود بذلك؟ فسرها أحد العارفين انها “عبادة الجود” اي اريد ان اجود بوقتي، ونفسي ومالي، وعلمي وهمتي، وعاطفتي وطريقة تفكيري… فما من باب من ابواب الجود الا ويكون لك به نصيب.

فبذلك نملئ فراغ الاول برؤية، وفراغ الاخير بنتيجة، حتى نقيس ان ما بين هذه الرؤية التي وضعناها في البداية والمنتج الاخير الذي تريد ان تكون عليه، فهو من خلال معرفة من ستكون اول يوم من شوّال!

أي قرّب النهاية، المسلم بطبيعته وبفطرته مستقبلي، فكل ما نقوم به من خير فطرته ونيته الدار الاخرة، ودار السلام، فنحن نعمل للجنة وليس هنالك من مانع، انما هو دافع. فالأول من شوّال قد يكون هو الفيصل والعلامة الفارقة، والدلالة على مدى المصداقية التي عشناها خلال رمضان المبارك.

مثال ذلك، قد يقول قائل اريد ان اكون اول يوم من شوّال انسان لا يستسهل معصية الله، اي صعب عليه المعصية، او ان يقول ان يسهل عليه ترك الاشياء لله، وهذه اعلى مرتبة، هذا رقي كبير يتخلى له الانسان ويقول ان ربي أحسن مثواي ويمتنع ويترك لله تبارك وتعالى، او ان يقول اريد ان اكون في الاول من شوّال عندي من حب الطاعة ما يجعلني أبغض كل معصية، فقد تصل الى هذا النوع من السمو، فمن الان حدد من تريد ان تكون؟

يقول سيدنا جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما، لا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء، فذاك الذي لا يميز بينهما مغبون ومخدوع، فضع علامة فارقة واجعل لكل يوم نكهة مختلفة ولو بإضافة عمل يسير واحد كل يوم، حتى يجتمع عندك في ختام رمضان فروقات متعددة ومتميزة، فبذلك تكون قد تدربت على الرقي والازدياد في الاعمال، واعداد كم هائل من الحسنات، لان كل شيء داخل رمضان مضاعف، خذ الفرصة الان، لا تتأخر وبادر…

هنالك اعمال ثابتة كالصلاة والتراويح وقراءة القران، ولكن ما نحتاجه، اعمال اضافية تعطيك فرق بين اليوم والأمس، وفرق بين اليوم والغد، وهذا نوع من تقصير الأمل، لماذا؟ وكيف؟ تخيل حالة الشوق للقاء الله! ويقال: اعلى انواع الصبر، هو الصبر عن الله، فالعبد يحزن ويقول الحياة طالت وكلي شوق اليك، مشتاق اريد ان القاك، لأننا نحب ان نلقى الله، فنحن لا نستطيع ان نصبر عن الله كثير، نحب ان نلقاه، فسنعمر الحياة ونقيمها، ومن الحياة ننتقل الى الحياة الاوسع، لان دنيانا نفحة من نفحات تلك الحياة، هي الحياة الاخرة الباقية…

من الاعمال ايضا ان ترابط بين صلاتين، المحافظة على تكبيرة الاحرام، الصلاة على وقتها، الصف الأول، ترتيب المسجد بعد التراويح، الاستغفار للوالدين فقط، في الدعوات كلها، وقت الاذان، انتظارك للصلاة، الاقامة، اثناء قيام الليل، يوم كامل فقط استغفار لهم، وأكثر من الدعاء، ما معنى ان الله بعطيك دعوة مستجابة لا ترد في رمضان؟ الله لا يرد سائلا، فما الحكمة ان للصائم دعوة لا ترد عند فطره؟ الله سبحانه وتعالى يريد ان يقول لنا ان الدعوة هنا يجب ان تختلف عما سبق، او في اي مكان او زمان اخر، لها خصوصية، لها افضلية، ماذا لو وضعنا دعوات ورتبناها، دعوات خاصة بك، اطلب من دنياك ما يصلح به اخرتك! وابدأ بنفسك، وخير الدعاء تلك التي ترتبط بأجواء العبادة التي سنقبل عليه، مثال، ان كنت تعلم ان في السابع عشر من رمضان قد ينتابك الفتور وبعض الكسل في الطاعات، كثّف، ابتهل، تضرّع واستعذ من الفتور والكسل، لان القلوب بيد الله، والطاعة، الله هو الذي يلهمها، قال عز وجل ” وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا “، نسأل الله سبحانه وتعالى ان يعيننا على طاعته وان يوفقنا لمرضاته.

أحمد المصطفى