لماذا هذا الشوق؟

تخيّل أنْ تقودك الخطى إلى مسجِدِه، فترى أصحابه يجلسون حوله، كأنّ على رؤوسهم الطير أدباً، وأفئدتهم تُصغي، والكون يَصمت، في حضرة كلماته، تخيّل أنْ ترى وجهه، تتنعّم بنوره، وتملأ ناظريك منه، فتجلس مع أصحابه ويرتعش قلبك ويهتز، لتلاوةٍ للقرآن من خير البشر!

تخيّل صوت دعائه لقلبك ودموعه تَسيلُ رحمةً، أنْ يُثبّتك الله، حتى تلقاه على الحوض ليباهي بك الأمم، تخيّل خطاكَ تقودُكَ إلى بيته وقت السَّحَر، فترى الناس قد ناموا، وقلبُ الشفيع لم يَنَم! بل دمعه يُذرف، وشوقه للرفيق الأعلى يزداد، ودعاؤه كلُّ دعائِه: أمّتي….. أمتي!

تخيّل، أنّك رفيقُ رحلته، صاحب يومه، وقد نلت شرف خدمته، تخيّل نصحه لك، ومزاحه معك.

وثيقة حب، قصيدة ثناء، انشودة مدح، محاولة عاجزة من الأسطر والكلمات لتبرز فضله عليك وتبين حبه لك عسى القلوب تحن، والارواح تشتاق، والعيون تذرف، والابدان تتعب في سبيل اللقاء والعناق.

لماذا نحب رسول الله؟

لأنه يحبنا ولولاه لهلكنا، به عرفنا طريق الله، وبه عرفنا مكائد الشيطان، شوّقنا الى الجنة، ما من طيب الا وأرشدنا اليه، وما من خبيث الا ونهانا عنه، ومن حقه علينا ان نحبه، لأنه:

  • يحشر المرء مع من أحب:

جاء اعرابي الى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أعددت لها؟” قال: إني أحب الله ورسوله، قال: “أنت مع من أحببت”.

فبهذا الحب تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحوض فتشرب الشربة المباركة التي لا ظمأ بعدها ابدا.

  • الرحمة المهداة:

قال عز وجل: {وما ارسلناك الا رحمة للعالمين}، قال ابن القيم في جلاء الافهام: “ان عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، اما أتباعه، فنالوا بها كرامة الدنيا والاخرة”.

وقال الحسين بن الفضل: “لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من اسمائه الا للنبي صلى الله عليه وسلم، فانه قال فيه: {بالمؤمنين رءُوف رحيم}، وقال في نفسه: “ان الله بالناس لرءوف رحيم”.

 

  • الجماد أحبه… وأنت؟

لما فقده الجذع الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر حن اليه وصاح كما يصيح الصبي، فنزل اليه فاعتنقه، فجعل يهذي كما يهذي الصبي الذي يسكن عند بكائه، فقال صلى الله عليه وسلم: “لو لم احتضنه لحنَّ الى يوم القيامة”. كان الحسن البصري إذا حدّث بهذا الحديث بكى وقال: “هذه خشبة تحن الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنتم أحق ان تشتاقوا اليه”.

ما أشد حبه لنا، لما رفع يديه صلى الله عليه وسلم وقال: “اللهم امتي، امتي” وبكى، فقال الله عز وجل: “يا جبريل اذهب الى محمد فسله: ما يبكيك؟” فاتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما قال، فاخبر جبريل ربه وهو اعلم، فقال الله عز وجل: “يا جبريل… اذهب الى محمد، فقل: انا سنرضيك في امتك ولا نسوؤك”.

  • كمال الايمان في محبته

قال صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن احدكم حتى اكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين”.

قد تمر علينا هذه الكلمات مرورا عابرا، ولكنها لم تكن كذلك مع رجل من امثال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال: “يا رسول الله، لانت احب الي من كل شيء الا من نفسي”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا والذي نفسي بيده حتى اكون احب اليك من نفسك”. فقال عمر: “فانه الان والله لانت احب الي من نفسي”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الان يا عمر”.

  • حلاوة الايمان

لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان: ان يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما”.

وهذه مكافأة يمنحها الله عز وجل لكل من آثر الله ورسوله على هواه، فيشعر ان للإيمان حلاوة تتضاءل معه كل لذات الدنيا، ولان من أحب شيئا أكثر من ذكره، فكلما ازداد العبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم حبا كلما ازداد له ذكرا، ولاحاديثه ترديدا، ولسنته اتباعا ومع هذا كله تزداد حلاوة الايمان.

فيا قدوَتي وشفيعي… إنّ ميلادك هو ميلادُ قلبي، وتجديدُ عهدي وتفقّدٌ لإيماني، بأن أمشي على خطواتك، وأقتفي آثارك، وأن أحفظ سنتك قولاً وسيرتك عملاً، إنني أنا المشتاق للقائك، يا رسول الله.

أحمد المصطفى