أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري القرشي أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، لقَّبَهُ النبي صلى الله عليه وسلم بأمين الأمّة حيث قال: “إن لكل أمّة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح”.

أسلم أبو عبيدة في مرحلة مبكرة من الدعوة الاسلامية، وهاجر الى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر والمشاهد كلها، وكان من الذين ثبتوا في ميدان المعركة عندما بُوغت المسلمون بهجوم المشركين يوم أحد وفي عهد أبي بكر الصديق، كان أبو عبيدة أحد القادة الأربعة الذين عيَّنهم أبو بكر لفتح بلاد الشام، ثم أمر أبو بكر خالد ابن الوليد أن يسير من العراق الى الشام لقيادة الجيوش الإسلامية فيها، فلما ولي عمر ابن الخطاب الخلافةَ عَزَلَ خالداً بنَ الوليد، واستعمل أبا عبيدة، فقال خالد: “وَلِيَ عليكم أمينُ هذه الأمة”، وقد نجح أبو عبيدة في فتح دمشق وغيرِها من مُدُنِ الشامِ وقُراها. وفي عام 18 هـ الموافق 639 م توفي أبو عبيدة بسبب طاعون عمواس في غور الاردن ودُفن فيه.

كان لأبي عبيدة بنِ الجراح تأثير في يوم سقيفة بني ساعدة، وقصة يوم سقيفة بني ساعدة كما رواها البخاري في كتاب فضائل الصحابة، قالت السيدة عائشة:

إن رسول الله  مات وأبو بكر بالسُّنح، فقام عمر يقول: “والله ما مات رسول الله  وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم”، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله  فقبَّله، قال: “بأبي أنت وأمي، طبتَ حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً”، ثم خرج… واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا: “منا أمير ومنكم أمير”، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: “والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر”، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: “نحن الأمراء وأنتم الوزراء”، فقال حباب المنذر “لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير”، فقال أبو بكر: “لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم (يعني قريش) أوسط العرب داراً وأعربهم أحساباً، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة بن الجراح“، فقال عمر: “بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله “، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس.

وفي قصة يوم السقيفة شواهد عديدة على شخصية أبي عبيدة بن الجراح مناقبه، منها قول أبي بكر “بايعوا عمر أو أبا عبيدة”، وهذا يدل على أنه كان أهلاً للخلافة، في منزلة أبي بكر وعمر، مع العلم أن أبا عبيدة لم يكن من علياء قريش، ولكنه حصل على الكفاءة بخدمته الجليلة في الإسلام، وبتفرّده وتفوّقه في مناقب القيادة، حتى وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه «أمين هذه الأمة».

وقد أخرج مسلم عن أبي مليكة قال: سألتُ عائشة: “مَن كان رسول الله  مستخلفاً لو استخلفه؟”، قالت: “أبو بكر”، فقيل لها: “ثم مَن بعد أبي بكر؟”، قالت: “عمر”، ثم قيل لها: “مَن بعد عمر؟”، قالت: “أبو عبيدة بن الجراح” ثم انتهت إلى هذا. ورُوي أن عمر بن الخطاب قال: “لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لاستخلفته، فإن سألني ربي عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله”.

كما ونذكر ايضا موقفا واحدا من مواقف الصحابي الجليل أبو عبيدة رضي الله عنه، ففي معركة احد، كان طلحة يدافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما كان خطر القتل يتهَدّدَه من كل جانب، حينها جاء من بعيد أبو بكر الصديق يجري بأقصى سرعته لينجد رفيق دربه محمد صلى الله عليه وسلم، والحقيقة ان أبا بكر لم يكن يجري لوحده وانما لحق به رجل وصفه أبو بكر بوصف عجيب في حديث عائشة بقوله: “انسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا”، فقلت: “اللهم اجعله طاعة حتى توافينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم”، فاذا أبو عبيدة بن الجراح، هناك رأى الاثنان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصيب في وجهه حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، فاراد أبو بكر نزعهما من وجه حبيبه الطاهر، الا ان أبا عبيدة قال له: “اسألك بالله يا أبا بكر الا تركتني”، فعض أبو عبيدة الحلقة الحديدية التي في وجنة رسول الله وأخذ يشدها بأسنانه حتى نزعها فسقطت احدى أسنان ابي عبيدة، ثم عض بأسنانه الحلقة الحديدية الثانية والدماء تجري من فمه حتى نزع الحلقة الحديدية الثانية وسقطت معها سن أخرى.

كانت هذه قبسات سريعة من سيرة أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، تلك السيرة العطرة لعظيم من عظماء هذه الأمة، وقائد من قوادها، لرجل باع نفسه لدينه، وانقطع عن كل شيء حوله ووصل نفسه بربه، فتقبله ربه قبولا حسنا، وأشعره برضاه، وطمأنه بالجنة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى