التاجر الأمين مكانهُ في جنّة النّعيم مع النبيّين والصدّيقين والشّهداء والصّالحين، فكيف به اذا جمع مع أمانة التجارة، الإخلاص في الدين والتضحية والانفاق في سبيله؟

موعدنا الان مع تاجر أمين، مع رجل رُزقَ نعمة الثراء فاستعملها في خدمة دينه وأمته، انه الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

هو أحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الاولين الى الاسلام، وأحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب ليختاروا الخليفة من بعده، كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل عبد الكعبة، فسماه النبي عبد الرحمن.

وُلد عبد الرّحمن بن عوف بعد عام الفيل بعشر سنين، وكان إسلامه على يد أبي بكر الصديق، هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولى، ثم هاجر إلى المدينة، وشارك في جميع الغزوات في العصر النبوي، وصلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وراءه في إحدى الغزوات، وكان عمر بن الخطاب يستشيره، وجعله عمر في الستة أصحاب الشورى الذين ذكرهم للخلافة بعده، وقال: هم الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.

توفى سنة 32 هـ، وصلى عليه سيدنا عثمان، وحمل في جنازته سعد بن ابي وقاص ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة.

من فضائله وهي كثيرة، خوفه من ربه، انفاقه في سبيل الله وفقهه.

كان عبد الرحمن بن عوف شديد الخوف من الله جل وعلا، دائم المراقبة له في كل شؤون حياته، ومتطلعا دائما الى رحمته وعفوه. روى البخاري بسنده عن ابراهيم بن سعد عن سعد عن ابيه قال: أُتي عبد الرحمن بن عوف يوما بطعامه فقال: قتل مصعب بن عمير وكان خيرا مني فلم يوجد له ما يكفن فيه الا بردة، وقتل حمزة، او رجل اخر، خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه الا بردة، لقد خشيت ان يكون عُجّلت لنا طيّباتنا في حياتنا الدنيا، ثم جعل يبكي، رضي الله عنه…

ولقد كان رضي الله عنه ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، ويعطي عطاء من لا يبتغي الا وجه الله، فمن صور انفاقه أنه أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا. وقد روى معمر عن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله بشطر ماله أربعة الاف، ثم تصدق بأربعين ألفا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة.

كذلك تميز رضي الله عنه بعمق فهمه وفقهه وحفظه لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ورجوع الصحابة اليه في ذلك، واعتمادهم على ما ذكره.

روى احمد في مسنده بسنده عن ابن عباس، أنه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول الله ﷺ أو من أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع قال فبينا هو كذلك إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف فقال فيم أنتما فقال عمر سألت هذا الغلام هل سمعت من رسول الله ﷺ أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع فقال عبد الرحمن سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم اثنتين فليجعلها واحدة وإذا لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها اثنتين وإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين”.

ومن تلك الشواهد أيضا مسألة قبول الجزية من مجوس هجر: روى البخاري بسنده عن سفيان قال: سمعت عمرا قال: كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بَجَالةُ سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم، قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عمّ الاحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة، فرّقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر اخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ان رسول الله اخذها من مجوس هجر.

ولما مات رضي الله عنه، قال علي بن ابي طالب كلمات تدل على حسن الصلة بينه وبين عبد الرحمن بن عوف قال علي: اذهب ابن عوف، فقد أدركت صفوها، وسبقت رنقها.

فهنيئا لك يا ابن عوف ثواب ما انفقته في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، وهنيئا لك الجنة التي بشرك بها النبي صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى