استطاع الفاروق رضي الله عنه وهو على فراش الموت، أن يبتكر طريقةً جديدةً لم يسبق إليها في اختيار الخليفة الجديد أحد، وكانت دليلاً ملموساً، ومَعْلَماً واضحاً على فقهه في سياسة الدَّولة الإسلاميَّة. فهي تعتمد على جعل الشورى في عددٍ محصورٍ من الناس مؤهلون لهذه المهمة، فقد حصر ستَّةً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلُّهم يصلحون لتولِّي الأمر، ولو أنهم يتفاوتون، وحدَّد لهم طريقة الانتخاب، ومدَّته، وعدد الأصوات الكافية لانتخاب الخليفة، وحدَّد الحكم في المجلس، والمرجِّح له إن تعادلت الأصوات، وأمر مجموعةً من جنود الله لمراقبة سير الانتخابات في المجلس، وعقاب من يخالف أمر الجماعة، ومنع الفوضى بحيث لا يسمحون لأحدٍ بالدخول، أو يسمع ما يدور في مجلس أهل الحلِّ والعقد. فمن هو الخليفة الثالث، بعد الفاروق رضي الله عنه؟

هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، فهو رضي الله عنه ينتمي إلى بني أمية، ويلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجد الرابع عبد مناف، وهذا شرف كبير أن يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولد عثمان رضي الله عنه بعد ست سنوات من عام الفيل، فهو أصغر من الرسول صلى الله عليه وسلم بست سنوات، حيث أسلم رضي الله عنه على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكان رابع من أسلم بعد أبي بكر، وزيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب.

بعد إسلامه تزوج من رقية رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل أنه كان زوجا لها قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع شرفه، ومكانته في قومه إلا أنه عندما أسلم آذاه أهله إيذاء شديدا، وكان يتولى تعذيبه عمه الحكم بن العاص، فكان يجلده فلا يرده ذلك عن دين الله شيئا، وبعد وفاة رقية رضي الله عنها، تزوج ام كلثوم رضي الله عنها أيضا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمّي بذي النورين.

كان رضي الله عنه نظرا لكثرة ماله يعتق الكثير من العبيد، سواء في فترة إقامته في مكة أو المدينة، وبعد أن تولى الخلافة أيضا استمر في عتق العبيد حتى قيل: ما مرت جمعة إلا وأعتق عثمان رضي الله عنه رقبة، وهذا منذ أسلم حتى لقي الله تعالى، وإذا مرت جمعة دون أن يعتق رقبة لقلة مال، أو قلة رقاب أعتق في الجمعة التي تليها رقبتين.

وقد جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه الكثير من مكارم الأخلاق، فكان رضي الله عنه حيِيّا شديد الحياء، ففي صحيح الإمام مسلم عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسوى ثيابه- قال محمد ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل فتحدث، فلما خرج، قالت عائشة: دخل أبو بكر، فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عمر، فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست وسويت ثيابك، فقال صلى الله عليه وسلم: “أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ.”

كان رضي الله عنه حافظا للقرآن عن ظهر قلب، ويقول السيوطي في (تاريخ الخلفاء): لم يحفظ القرآن من الخلفاء قط إلا اثنان؛ عثمان بن عفان، والمأمون العباسي. كان سيدنا عثمان رضي الله عنه يكثر من قراءة القرآن حتى أن السيدة نائلة زوجته لما حوصر قالت: اقتلوه، أو دعوه فإنه والله كان يقوم الليل بركعة يقرأ فيها القرآن.

ويقول عثمان رضي الله عنه: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعت من كلام ربنا، والله إني لأكره أن يأتي عَلَيّ يوم لا أنظر فيه في المصحف.

يقول عبد الله بن عمر: إن قول الله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزُّمر: 9]. نزلت في عثمان بن عفان.

كان عثمان رضي الله عنه رجلا حكيما، وقد كان من مجلس شورى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجلس شورى أبي بكر الصديق، ومجلس شورى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعا، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يرفضان أن يخرج عثمان رضي الله عنه من المدينة في أي فتح من الفتوح، حتى يستعينا برأيه في الأمور المهمة، وكذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، والحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى