يقول مولانا جلال الدين الرومي رحمه الله، “رمضان… كلّ صبيحة منك عيد وكل ليلة منك قدر!”

بداية لا بد من منهج محدد للدخول الى الشهر الفضيل، نعيشه كل يوم بيوم، منهج العابد الاستباقي وليس العابد الالتحاقي، منهج المعاني. فبالمعنى نفهم وندرك الحكمة من الطاعة، فالمؤمن إذا ضاعف جهده بسبب إدراك المعنى، فتح الله عليه بإلهامات وعطايا لا سبب له فيها، انما من توفيق الله له… يقول ابن القيم رحمه الله، “التفكر في معاني الاعمال يثري القصد الى العمل“، فاذا اعتمدت المعنى طريقا الى الفعل، فبالمعنى تتسع ويتعاظم الأثر الذي تتركه عليك وعلى غيرك، فمغناك في معناك، لماذا؟

لأنه موسم الحصاد واستعادة نمط الحياة الخضراء، فالإنسان بفهمه السليم وتصوره للمعنى تولد لديه طاقة ايمانية مما تنتج لديه قدرة روحانية والهاماً ربانياً من الحدس والخيال، لتصبح سلوكاً في حياته، اي وفق مفهوم العابد الاستباقي، كيف؟ سيكون شرحا مفصلا نصل به الى نسختك الخاصة من رمضان.

في رمضان علينا مباشرة كل الاشياء بمعنى، اي بأعلى مستوى من الحضور، ففي هذه المواسم عليك ان لا تحمل هم العطاء، بل احمل هم الوفاء، فمن الوفاء ان يتجلى هذا المعنى في افعالنا، اي انه لن تتحقق معيارية الجودة الا في الحضور.

لِنَجُلْ في بعض المعاني وصولا لمحطات سبع نقف على كل واحدة على حدة، ففي رمضان لم يحفّز المرء بشيء محدد من الاجور، حتى ليلة القدر التي عيّن فضلها كان تعيين الفضل تقريبا وليس تحديدا، “ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر” ايّ خير؟ وايّ شهر؟ ومن يحدد معنى “من”؟ وهل يصح تحديدها بأحكامنا بنسبية زماننا ومكاننا؟ إذا فالمعنى عظيم…

والحديث القدسي: عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه عز وجل انه قال: “كل عمل ابن ادم له الا الصوم فانه لي وانا أجزي به” (رواه البخاري). “به” فسرها العلماء انها تعود الى الصوم، فنحن نطيق الصيام ولا نطيق الصوم، الصوم الذي يليق بكماله وجلاله!

ايضا وفي سور البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (183)، ذكر الله تعالى الصيام وليس الصوم، وقد فرق اللغويون والمفسرون ما بين الصيام والصوم، قال بعضهم الصيام هو محاولة الصوم، والصوم ما لا يطيقه انسان، وفسره البعض انه “أنسُ التقريب” ولم يقولوا القرب، فمن قرّب لا يبعد…

إذا معاني عظيمة نتقرب بها الى الله، معاني تجعل من النفس روحاً، وبذلك لا تنقطع من السرور، بل تتطلب زيادة، اي ان تعبد الله سرورا بمولاك، فيتحقق معنى التبتل، {وتبتَّل اليه تبتيلا} فأجلّ مراتب الشعيرة التبتّل، وارجى انواع العبادة ان تعبده لذاته جل جلاله!

لنعش معا نسق اليوم الرمضاني بمعانيه وبمحطاته السبعة كما ذكرها أحد العلماء، فهي 7 لبنات، وكلٌ منها مفردة وكل مفردة معنى نعيشه في كل يوم من رمضان لها حلاوة ابتداء وحلاوة انتهاء، ثبوت أحدهما ثبوت الاخر.

  • المحطة الأولى: النية

كما هو معلوم حديث “انما الاعمال بالنيات” وهو الدليل الاساسي من السنة النبوية، ولكن سننقل بعض المعاني التي تثري القصد في تفسير النية، ففسرها البعض انها “إطلاق ممكنات العمل”، والنية هي التي تسبغ العمل فتجعله هادياً، وللعلم هنالك خلاف شديد بين العلماء في اشتراط تجديد نية الصيام في كل يوم من رمضان، فيظن البعض انه خلاف قشري ولكن لماذا اختلفوا وبماذا؟ فباتفاق المذاهب الفقهية الاربعة لا يصحُّ الصَّومُ بدون نيَّةٍ، الإجماعُ على ذلك لأنَّ الصَّومَ عبادةٌ مَحضةٌ، فافتقر إلى النيَّةِ، كالصَّلاةِ وغيرها ولأنَّ الصَّومَ هو الإمساكُ لغةً وشَرعًا، ولا يتميَّزُ الشَّرعيُّ عن اللُّغَويِّ إلَّا بالنيَّةِ، فوجَبَت للتَّمييز.

واختلاف أهلُ العِلمِ في اشتراطِ تَجديدِ النِّيَّةِ في كلِّ يومٍ مِن رَمَضانَ على قولين:

القول الأول: يُشتَرَط تجديدُ النِّيَّةِ لكلِّ يومٍ من رَمَضانَ، وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: الحَنَفيَّة، الشَّافِعيَّة والحَنابِلة، وأنَّ النيَّةَ يجِبُ تجديدُها لكُلِّ يومٍ؛ لأنَّه عبادةٌ مُستقلَّةٌ مُسقِطةٌ لِفَرضِ وقْتِها، وعن حفصةَ رَضِيَ اللهُ عنها زَوْجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: “لا صِيامَ لِمَن لم يُجمِعْ قبلَ الفجر” والقياسُ على أنَّ شَهرَ رَمضانَ كصَلواتِ اليومِ واللَّيلةِ يَحولُ بين كلِّ صَلاتينِ ما ليس صلاةً، فلا بُدَّ لكلِّ صلاةٍ مِن نيَّةٍ، فكذلك لا بدَّ لكُلِّ يَومٍ في صَومِه مِن نِيَّةٍ.

أما القول الثاني: أن ما يُشتَرَط فيه التتابُعُ تكفي النِّيَّةُ في أوَّلِه، فإذا انقطَعَ التَّتابُعُ لعُذرٍ يُبيحُه، ثم عاد إلى الصَّومِ؛ فإنَّ عليه أن يجَدِّدَ النِّيَّة، وهو مذهَبُ المالكِيَّة وقولُ زُفَرَ مِن الحَنَفيَّة، وذلك لأنَّ الصَّومَ المُتتابِعَ كالعبادةِ الواحدةِ، من حيثُ ارتباطُ بَعضِها ببعضٍ، وعَدَمُ جَوازِ التفريقِ بينها، ولذا تكفي النيَّةُ الواحدةُ، كما أنَّ النيَّةَ إذا لم تقَعْ في كلِّ ليلةٍ حقيقةً، فهي واقعةٌ حكمًا؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ قَطعِ النِّيَّةِ. ففي هذه المحطة لابد من ان ندرك معنى اشتراط تجديد النية لجمهور العلماء ولذلك لا يفتر المؤمن… أي انه يتجهز كل يوم بيومه لرمضان جديد.

  • المحطة الثانية: الامساك!

فالصوم يتحقق بالإمساك عن المفطرات والامتناع عنها في النهار فقط أي من الفجر الصادق الى الغروب ولا يجب أكثر من ذلك فيجوز ممارسة المفطرات من الغروب الى الفجر، وقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فالآية حددت المقدار من الزمان الذي يجب فيه الإمساك والامتناع عن المفطرات بدايةً ونهايةً ، فالخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، فبداية الصوم تكون من الفجر، ثم قالت أتموا الصيام الى الليل فجعلت غاية الصوم دخول الليل، والليل يتحقق بأول جزء منه وهو الغروب فالمعنى أتموا الصيام الى الغروب، ولا نريد ان ندخل بخلاف الإمساك قبل الفجر بـ 10 دقائق وما الى ذلك، انما ان نعيش معنى الإمساك قبل الفجر بروحانية بدء عبادة الصيام وتجدد النية، ما نعنيه تحسيس لمستوى التمييز بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر… وأن يكون معنى الإمساك حاضرا بكل اوقاتنا، فبالاستعداد يكون الامتداد… وقال البحياوي رحمه الله: “الإمساك تحقيق ألم الاعتياد بتحسس عذوبة الوصل”.

  • المحطة الثالثة: نهار الصوم

ايضا اختلف الفقهاء، هل يصح صيام من قضى يوم صومه نوماً؟ واختلف العلماء بحكم اطالة اللبث في الحمام، وهل يؤثر هذا على الصيام؟ نهار الصوم هو يوم عبادة، والحذر من ان يفوّت على نفسه خيرا كثيرا، لأنه ينبغي للصائم ان ينشغل بالصلاة والذكر والدعاء وقراءة القران الكريم حتى يجمع في صيامه عبادات شتى، والانسان إذا عود نفسه ومرنها على اعمال العبادة في حال الصيام سهل عليه ذلك، وإذا عوّد نفسه الكسل والخمول والراحة صار لا يألف الا ذلك وصعبت عليه العبادات والاعمال في حال الصيام.

  • المحطة الرابعة: الافطار

أخرج الإمام مسلم من حديث أبى هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “للصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه ” وفى رواية: “وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه “، قال الحافظ ابن رجب ــ رحمه الله : أما فرحة الصائم عند فطره : “فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح ، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ، ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه ، خصوصا عند اشتداد الحاجة إليه ، فإن النفوس تفرح بذلك طبعاً “. وللصائمين باب في الجنة يقال له الريان لا يدخل منه غيرهم. فمن المعاني التي نعيشها وقت الإفطار، الجوع والعطش، فقيل انه تشويقا لساعة الوصل، فبهم تَتَرَفَّع فتُرفع، فترتفع…

  • المحطة الخامسة: التراويح

فيها اجر عظيم، وفضل كبير، وعلى المؤمن ان يحرص عليها في شهر رمضان: “كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُرَغِّبُ في قِيَامِ رَمَضَانَ مِن غيرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فيه بعَزِيمَةٍ، فيَقولُ: مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ”، فصلّاها النبيّ وصلّاها الصحابة معه جماعة، وبعد وفاته -عليه الصلاة والسلام-، استمرّ الصحابة في صلاتها منفردين، وفي عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، رآهم يُصلّون مُتفرّقين، ورأى أنّ بعضهم لا يحسن القراءة؛ فجمعهم على إمام، ورأى أنّ ذلك أفضل من صلاتهم مُتفرّقين، وكان ذلك أوّل اجتماع للمسلمين على إمام واحد في صلاة التراويح. وهي سبب لنيل أجر قيام ليلة لمَن صلّاها مع الإمام وبقي معه حتى ينصرف، لحديث النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (إنَّ الرجلَ إذا صلَّى مع الإمامِ حتى ينصرفَ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ.

المحطة السادسة: القيام او التهجد

استحقاق المقام المحمود عند الله ـ سبحانه حيث ذكر الله سبحانه معللاً أمره لرسول صلى الله عليه وسلم بقيام الليل: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79]

قال صلى الله عليه وسلم: “ينزل اللهُ إلى السماء الدنيا كلَّ ليلةٍ حين يمضي ثُلثُ الَّليلِ الأولُ فيقول: أنا الملكُ أنا الملكُ من ذا الذي يَدعوني فأستجيبَ له! من ذا الذي يسألني فأُعطِيَه! من ذا الذي يستغفِرُني فأغفرَ له! فلا يزال كذلك حتى يضيءَ الفجرُ”. (صحيح مسلم).

  • المحطة السابعة: السحور

السُّحورُ أكلُه بركةٌ، فلا تدعوه ولو أن يجرعَ أحدُكم جرعةَ ماءٍ، فإنَّ اللهَ وملائكتَه يصلون على المتسحرين. (اخرجه أحمد). 

أحمد المصطفى