هو سعد بن مالك بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، أبو إسحاق القرشي الزهري، وأمّه حمنة بنت سفيان بن أميّة بنت عم أبي سفيان بن حرب بن أمية، وجده أهيب بن عبد مناف عم السيدة آمنة أم رسول الله عليه الصّلاة والسّلام، وهو من أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، ولد قبل بعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام بتسعة عشر عاماً، ونشأ في قريش، واشتغل في بري السهام وصناعة القسي، وهذا ما أهله ليكون بارعاً في حياة الصيد والغزو، وكان من أوائل المهاجرين مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، واحد العشرة المبشرين بالجنة، واحد الستة اصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بن الخطاب قبل موته، واول من رمى سهما في تاريخ الاسلام، واحد البدريين، وصاحب الدعوة المستجابة، والذي فداه النبي بأبيه وأمه.سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه أحد السابقين الى الاسلام، ومن اوائل من امن بالله وبرسوله، روى البخاري بسنده عن سعيد بن المسيب انه قال: سمعت سعد بن ابي وقاص يقول: ما أسلم أحد الا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة ايام واني لثلث الاسلام. فعندما كان في السابعة عشرة من عمره، أسلم هو واربعة من المبشرين بالجنة على يد ابي بكر الصديق رضي الله عنه، فبمجرد ان أسلم ومحاولات الكيد والصد فتحت له ابوابها، وحاول اهله وذووه اثناءه عن دينه وصده عن الاستمرار فيه، الا ان الايمان ما خالط قلب رجل او امرأة بصدق وخرج منه، فكان رضي الله عنه ثابتا كالطود الاشم، صابرا على كل ما نزل به، ولقد جابه كل محاولاتهم بثبات المؤمن وايمان الثابت فما تردد لحظة وما نكص ولو لوهلة. كان سعد بارا بأمه محبا لها، وقد كان يحبها أكثر من نفسه، حاولت ردّه الى دين الاجداد بعد اسلامه، ولكن دون جدوى، فلمّا اخفقت جميع محاولات رده وصده عن الاسلام، لجأت امه الى وسيلة لم يكن أحد يشك في انها ستهزم روح سعد وترد عزمه الى وثنية اهله وذويه. فلقد اعلنت امه اضرابها الكلي عن الطعام والشراب حتى يعود سعد الى وثنيته، او تموت هي فيعايره العرب بانه سبب موت امه، ومضت هذه الام في تصميم مستميت تواصل اضرابها عن الطعام والشراب حتى وصلت على الهلاك. وحين كانت تشرف على الموت، اخذه بعض اهله الى امه ليلقي عليها نظرة الوداع الاخيرة، مؤملين ان يرق قلبه حين يراها في سكرة الموت، فذهب سعد ورأى مشهد امه وهي تموت ببطء، وانتظر الناس ان يستجيب لأمرها لعلمهم بحبه العظيم لأمه، فنظر سعد اليها وهي تأن وقال: والله يا امّه … لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي ان شئت او لا تأكلي.

فلما رأت امه هذا الايمان العميق من ولدها عدلت عن صومها، فنزل الملك جبريل بوحي من السماء الى الارض بكلمات قالها الرب الذي خلق الكون يخلّد لسعد هذه القصة في قران ستتلى آياته الى يوم القيامة: وَإِنْ جَاهَدَاكَ على أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿١٥﴾

وفي ليلة من الليالي، أرق رسول الله ولم يستطع النوم، خوفا من غدر المشركين به وهو نائم، فيضيع بذلك الاسلام قبل ان يوصل رسالته للبشر، فقال رسول الله لعائشة: “ليت رجلا صالحا من اصحابي يحرسني الليلة” فما ان فرغ رسول الله من قولته تلك حتى سمع الرسول وزوجه الطاهرة صوت خطوات تقترب من البيت في الخارج ويقترب معها صوت السلاح، فنادى رسول الله قائلا: “من هذا” فجاء الصوت من الخارج: “انا يا رسول الله سعد بن ابي وقاص” فقال له الرسول: “ما الذي جاء بك” فقال سعد: “وقع في نفسي خوف على رسول الله فجئت احرسه الليلة” ففرح رسول الله بهذا الصاحب الوفي، فنام بأبي هو وأمي مطمئنا حتى سمعت عائشة غطيطه.

 

ومن جملة مناقب سعد بن ابي وقاص، انه كان مستجاب الدعوة، وهذه المنقبة خرجت من منقبة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بأن يستجيب الله دعوته.

ورد في تهذيب الكمال: وكان اي سعدا مجاب الدعوة، مشهورا بذلك، وذلك ان رسول الله قال فيه: “اللهم سدد رميته وأجب دعوته”

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن عائشة بنت سعد عن أبيها سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما جال الناس عن رسول الله تلك الجولة يوم أحد تنحيت فقلت: أذود عن نفسي، فإما أن استشهد وإما أن أنجو حتى ألقى رسول الله، فبينا أنا كذلك إذا برجل مخمر وجهه ما أدري من هو فأقبل المشركون حتى قلت: قد ركبوه، ملأ يده من الحصى ثم رمى به في وجوههم فنكبوا على أعقابهم القهقرى حتى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مراراً ولا أدري من هو وبيني وبينه المقداد بن الأسود، فبينا أنا أريد أن أسال المقداد عنه إذ قال المقداد: يا سعد هذا رسول الله يدعوك فقلت: وأين هو؟ فأشار لي المقداد إليه، فقمت ولكأنه لم يصبني شيء من الأذى فقال رسول الله: أين كنت اليوم يا سعد؟ فقلت: حيث رأيت رسول الله فأجلسني أمامه فجعلت أرمي وأقول: اللهم سهمك فارم به عدوك ورسول الله يقول: اللهم استجب لسعد، اللهم سدِّد لسعد رميته، إيها سعد فداك أبي وأمي، فما من سهم أرمي إلا وقال رسول الله: اللهم سدد رميته وأجب دعوته إيها سعد، حتى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله ما في كنانته فنبلني سهماً نضياً قال: وهو الذي قد ريش وكان أشد من غيره. وقال الزهري: رمى سعد يوم أحد ألف سهم. وهكذا عُرف سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بين إخوانه وأصحابه بأن دعوته كالسيف القاطع، وعرف هو ذلك نفسه، فلم يكن يدعو على أحد إلا مفوّضا إلى الله أمره.
ان سعدا كان حسن الظن بالله تعالى، وطامعا في رحمته ومغفرته، وموقنا بعدله وفضله، توفي سنة خمسين، حيث فاضت روح سعد الطاهرة الى باريها بعد رحلة من الايمان عاشها سعد لدينه ووهبها لنصرته، وكانت نتيجة اخلاصه ان بشّره رسول الله بالجنة فهنيئا له، والحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى