من هو الشهيد السعيد الذي يمشي على الثرَى وهو مُبشَّرٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة، الذي يُعرف بطلحة الخير، وطلحة الفيَّاض، إنه طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، القرشي التيمي المكي رضي الله عنه، ويلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده مرة بن كعب، ويجتمع مع ابي بكر الصديق في تيم بن مرة، وهذا يوضح العمق النسبي للصحابي طلحة رضي الله عنه.

وهو من السابقين إلى الإسلام، فعن اسلامه فيما رواه البيهقي بسنده، يقول طلحة: حضرت سوق بصرى فاذا راهب في صومعته يقول: “سلوا اهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم؟” قال طلحة: قلت: “نعم أنا”، فقال: “هل ظهر أحمد بعد؟” قلت: “ومن أحمد؟” قال: “ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو اخر الانبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره الى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق اليه،” قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعاً حتى قدمت مكة، فقلت: “هل كان من حديث؟” قالوا: “نعم محمد بن عبد الله، الأمين، تنبأ، وقد تبعه ابن ابي قحافة”. قال: “فخرجت حتى قدمت على ابي بكر”، فقلت: “اتبعت هذا الرجل؟” قال: نعم فانطلق اليه فادخل عليه فاتبعه فانه يدعو الى الحق، فأخبره طلحة بما قال الراهب، فخرج ابو بكر بطلحة، فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم طلحة وأخبر رسول الله بما قال الراهب، فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.

وقد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها إلا غزوة بدر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله هو وسعيد بن زيد رضي الله عنهما إلى طريق الشام يتحسسون عيراً لقريش راجعة من الشام. وفي غزوة أحُد عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم صخرة من الجبل فنهض إليها ليعلوها فلم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فنهض عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: أوجب طلحة) أي الجنة). وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا ذَكر يوم أُحُد يقول: “هذا اليوم كله لفلان، يعني: طلحة”، وهو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وأحد السِّتَّة الذين توفِّي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ. قال ابن الأثير: “وشهد أحُداً وما بعدها من المشاهد، وبايع بيعة الرضوان، وأبلى يوم أحد بلاءً عظيماً، ووقىَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، واتقى عنه النَّبْلَ بيده حتى شُلَّتْ أصبعه، وضُرِبَ على رأسه، وحَمَل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على ظهره حتى صعد الصخرة.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَن سرَّهُ أن ينظرَ إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحةَ بن عُبَيْدِ اللَّه” (رواه الترمذي) ففي هذا الحديث قد صرح النبي صلوات الله وسلامه عليه أن طلحة رضي الله عنه سيموت شهيداً، وقد تحققت هذه النبوءة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، واستشهد طلحة رضي الله عنه يوم معركة الجمل.

كان طلحة أول من بايع سيدنا عثمان حيث بايعه في مجلس الشورى، ثم كان من جملة أنصاره في الفتنة، فلما قُتِل سيدنا عثمان ندم على ترك نصرته وقال: ” إنا داهنا في أمر عثمان، فلا نجد اليوم أمثل من أن نبذل دماءنا فيه، اللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى”.

ثم بايع سيدنا علي رضي الله عنه، فيقال: “إن أول من بايعه كان طلحة بيده اليمنى وكانت شلاّء من يوم أحد”. وبعدما بايع سيدنا علي، طلب منه طلحة والزبير تعجيل إقامة القصاص، واقترحا أن يخرجا للبصرة والكوفة، فقال طلحة: “دعني فلآت البصرة فلا يفجئك إلا وأنا في خيل” وقال الزبير: “دعني آت الكوفة فلا يفجئك إلا وأنا في خيل”، فأمرهما علي بالتريّث.

وبعد مرور أربعة أشهر من مقتل سيدنا عثمان خرج الزبير وطلحة معتمرين إلى مكة والتقوا بالسيدة عائشة بنت ابي بكر  ودعوا الناس إلى الأخذ بثأر عثمان رضي الله عنه، فخرج طلحة والزبير ومعهما السيدة ام المؤمنين على رأس جيش للمطالبة بالثأر من قتلة عثمان، وكان ذلك في سنة ست وثلاثين للهجرة، ثم التقى جيشهم بجيش علي بن ابي طالب، والفريقان ما كانا يريدان حرباً ولا قتالاً، بل كان هدفهما المشترك الثأر من قتلة عثمان، وبعد محاورة بين علي وطلحة والزبير، انتهت الى معانقة كل منهم للأخر والاتفاق على رجوع جيش طلحة والزبير من حيث أتى، الا ان اصحاب الفتنة اندسّوا بين الفريقين وبين الجيشين واشعلوا نار الحرب بينهما، وظنّ كل فريق ان صاحبه قد غدر به، وكانت فتنة هوجاء، واقلع طلحة والزبير عن الاشتراك في هذه الحرب، ولكنهما دفعا حياتهما ثمنا لانسحابهما، ولكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا، فالزبير تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي، وقيل أن طلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته، ولكن لم يثبت هذا الزعم. لكن الثابت أن طلحة رُمي بسهم، فوقع في ركبته، فأصابه في عرق النسا، فما زال ينسح حتى مات.

تاقت نفسه للشهادة وطلبها بصدق فوهبها الله له، فقتل شهيدا مبشرا بالجنة رضي الله عنه، والحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى