صهرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو السبطين واول هاشمي ولد بين هاشميين، وأول خليفة من بني هاشم وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وأحد الخلفاء الراشدين، وأحد السابقين الى الإسلام. فهو كما ذكره ابو نعيم: محب المشهود ومحبوب المعبود ورأس المخاطبات، ومستنبط الإشارات، راية المهتدين ونور المطيعين، وولي المتقين، وإمام العادلين، أقدمهم اجابة وايمانا، وأقومهم قضية وايقانا، وأعظمهم حلما، واوفرهم علما…

هو علي بن ابي طالب، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، ويلتقي معه في جده الاول عبد المطلب، ويلتقي مع النبي عليه الصلاة والسلام من جهة أمه في جده هاشم بن عبد مناف. وقد ولد في الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاث وعشرين قبل الهجرة. عُرف علي بن ابي طالب ببعض الكنى التي أُطلقت عليه ومن أشهرها: أبو الحسن نسبة الى ابنه الأكبر الحسن بن علي من السيدة فاطمة، وأبو السبطين والمقصود بالسبطين الحسن والحسين، وعُرف أيضا بأبي تراب، وهي كنية أطلقها عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكان علي رضي الله عنه يحبّ ان يُكنّى بها، وأصل هذه الكنية ما رواه البخاري بسنده عن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتَ فاطمة فلم يجد عليا في البيت، فقال: “أين ابن عمك؟” قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقِل عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: “انظر أين هو.” فجاء فقال يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقّه وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: “قم أبا تراب قم أبا تراب،” وكانت هذه الكنية محبّبة الى قلب علي بن ابي طالب وكان يحب أن ينادى بها.

تزوج علي بن ابي طالب رضي الله عنه بأكثر من واحدة، إلا انه ما جمع مع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرها حتى ماتت بعد رسول الله بستة أشهر. فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها هي بنت الرسول الكريم، وسيدة نساء العالمين، ولدت لعلي الحسن والحسين، وولدت من البنات زينب الكبرى وام كلثوم الكبرى وهي التي تزوجها عمر رضي الله عنه.

من يتابع سيرة على بن ابي طالب ويشاهد فصولها واحداثها المتتابعة والمتلاحقة لا بد وان تستولي عليه الدهشة والعجب حين يرى مثالا رائعا في الزهد في الدنيا وعدم الحرص على متاعها وزينتها. فلو نظرنا نظرة عابرة الى حياة علي رضي الله عنه مع السيدة فاطمة لوجدناها حياة بسيطة متواضعة، حيث كان جلّ متاعهما خميلة ووسادة من أدم حشوها ليق ورحاءين وسقاء وجرتين. وكان علي رضي الله عنه، يحمل الماء على ظهره، وكانت فاطمة تطحن بيديها، وكانت حياتهما حياة سعي وعمل وكفاح.

ففيما رواه عنه احمد بسنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوّجه فاطمة بعث معه بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحاءين وسقاء وجرتين، فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت (أي عملت مكان السانية وهي الناقة التي تسحب الماء من البئر) حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وقد جاء الله أباك بسَبْي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “ما جاء بك اي بنيّة؟” قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيَت ان تسأله ورجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيناه جميعا، فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعَة، فأخدمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والله لا أعطيكما وأدع اهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم.” فرجعا، فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشف أقدامهما، وإذا غطيا اقدامهما تكشف رؤوسهما، فثارا، فقال صلى الله عليه وسلم: “مكانكما،” ثم قال: “الا اخبركما بخير مما سألتماني.” قالا: بلى، فقال صلى الله عليه وسلم: “كلمات علّمنِيهنَّ جبريل عليه السلام فقال: تسبحان في دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا، وإذا أوتيتما الى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين،” قال عليّ: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويُعدّ عليّ رضي الله عنه من أفقه علماء الصحابة، فقد امتاز رضي الله عنه بعلمه الوافر وفقهه الواسع وعقله النابغ، وكيف لا يكون كذلك وقد تربى في بيت النبي ولازمه ملازمة اهله، يتعلم من رسول الله احكام الدين ومسائل الحلال والحرام، وبجانب ملازمته للنبي كان يتمتع بقلب واع وعقل مستنير وفهم واسع، وكما كان يقول عن نفسه فيما رواه ابن سعد: والله ما نزلت اية الا وقد علمت فيما نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهبَ لي قلبا عقولا، ولسانا طلقا.

كانت هذه اطلالة سريعة على سيرة الصحابي الجليل والخليفة الرابع على ابن ابي طالب رضي الله عنه، فما اجلها من حياة، وما أعظمها من تضحيات قدمها عليّ بنفس راضية تواقة الى رضوان الله تعالى، متطلعة الى ثوابه وجنته، حتى تحقق له ما يرجوه ببشارة النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه من اهل الجنة. والحمد لله رب العالمين..

أحمد المصطفى