طه   مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى   إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى   تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا   الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى   لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى

اهتز لقراءتها عمر وقال: “ما هذا بكلام البشر” وأسلم  في ذلك اليوم من شهر ذي الحجة من السنة الخامسة من البعثة وذلك بعد اسلام سيدنا حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه بثلاثة أيام، خرج عمر بعد ذلك إلى دار الأرقم ابن ابي الارقم حيث كان يجتمع النبي (محمد صلى الله عليه وسلم) بأصحابه وأعلن إسلامه هناك، بحسب بعض الروايات.

فلقد استجاب الله دعوة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، إذ قال: “اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين، عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام”.

ولد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بعد عام الفيل، وبعد مولد سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) بثلاث عشرة سنة، وكان منزله في الجاهلية في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان راعيا للإبل وهو صغير، وتعلم التجارة وأصبح من أغنياء مكة.

عمر بن الخطَّاب، من أشراف قريش في الجاهلية، وله مكانة عظيمة في الإسلام، فهو الخليفة الثَّاني، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن علماء الصحابة وزهّادهم وأفضلهم بعد أبي بكرٍ الصِّدِّيق ـ رضي الله عنهم ـ جميعاً، صاحب فراسة وفطنة ودهاء، متميز بالشجاعة والقوة والهيبة، حتى قال فيه ابن مسعود رضي الله عنه: “وما زلنا أعزّةً منذ أسلم عمر”، واشتهر بعدله وانصافه الناس من المظالم، وكان ذلك احد اسباب تسميته بالفاروق، لتفريقه بين الحق والباطل.

هو من اسس التقويم الهجري، وبلغ الاسلام مبلغاً عظيماً بخلافته، وتوسع نطاق الدولة الاسلامية حتى شمل كامل العراق ومصر وليبيا والشام وفارس وخراسان وشرق الاناضول وجنوب ارمينية وسجستان، وقد ادخل القدس لأول مرة تحت حكم المسلمين.

جاء في منزلة إِيمانه ـ رضي الله عنه ـ ما رواه عبد الله بن هشام: أنَّه قال: كنَّا مع النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: “يا رسول الله! لأنت أحبُّ إِليَّ من كل شيءٍ إِلا من نفسي”، فقال النَّبيُّ (صلى الله عليه وسلم): “لا والذي نفسي بيده! حتَّى أكون أحبَّ إِليك من نفسك” فقال له عمر: “فإِنَّه الآن والله لأنت أحب إِلي من نفسي!”

فقال النَّبيُّ (صلى الله عليه وسلم): “الآن يا عمر”.

تحضر صورة عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) الشّديدة الحازمة، وتحضر شخصيّته التي لا تخافُ أحدًا ويحاسبُ ويعاقب، الا انه كان رقيق القلب وكثير الخشية فمن مآثره انه  كان  يقوم بجولة  تفقدية في المدينة برفقة عبدالرحمن بن عوف (رضي الله عنه)، فمرّا على القافلة وكان الليل يوشك ان ينصرم، فقال عمر (رضي الله عنه) لرفيقه: “فلنمض بقية الليل هنا نحرس ضيوفنا”، وبينما هما جالسان، سمعا بكاء صبي، فسكت سيدنا عمر (رضي الله عنه)، لكن البكاء ازداد، فقام عمر (رضي الله عنه) الى ام الصبي وقال لها: “اتقي الله وأحسني الى صبيّك” أي ارضعيه، ثم عاد الى مكانه، لكن البكاء ما لبث ان عاد، فرجع سيدنا عمر الى ام الصبي وأعاد عليها الكلام ثم رجع الى مجلسه، ولم يكد يجلس حتى عاد الصبي للبكاء، فقام عمر مغضبا وقال للأم: “ويحك إني لأراك أم سوء، ما لصبيّك لا يقرّ له قرار؟” فأجابته وهي لا تعرف انه امير المؤمنين: “يا عبدالله قد أضجرتني، إني أحمله على الفطام فيأبى…” سألها عمر: “ولِم تحملينه على الفطام؟” قالت: “لأن عمر لا يفرض العطاء الا للفطيم.”

فأمير المؤمنين كان يعطي عطاء لكل صبي يفطم في الاسلام، فسألها رضي الله عنه: “كم عمره؟” فقالت: “بضعة أشهر…” فهي ارادت أن تفطم ابنها قبل موعد الفطام حتى تحصل على التعويض، فقال لها سيدنا عمر: “ويحك لا تعجليه…” ثم رجع عمر (رضي الله عنه) الى عبد الرحمن بن عوف، ووضع رأسه بين يديه وقال: “ويحك يا عمر…. كم قتلت من أطفال المسلمين” ثم حانت صلاة الفجر، فذهب أمير المؤمنين ليصلي بالناس، فلم يستطع المسلمون ان يتبينوا صوته لكثرة بكائه، ثم يقول: “بؤساً لك يا عمر… كم قتلت من أطفال المسلمين” ثم قال: “لا تعجلوا على صبيانكم بالفطام، فإنا نفرض من بيت المال لكل مولود يولد في الاسلام من دون فطام”.

كان رضي الله عنه القائد الموجِّه، والأمير الحازم، والراعي المسؤول، والحاكم القوي العادل، والرفيق الرؤوف وكانت حياته مليئة بالمناقب والفضائل التي شهد له بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام لا بل والتاريخ بأكمله، والحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى