في فقه معركة أحد

بلال شرف الدين

أَنْ تصل إلى خواتيم المعركة وأنت تشعر بنشوة الانتصار ثم تنقلب الموازين عليك لتخرج خاسراً، فذلك أمرٌ يبرِّرُ كلّ الانفعالات التي قد تحدثُ في تلك اللحظة. لكنَّ رسول الله كان مُدْرِكاً لحجم الهزيمة التي سقط بها المسلمون فراح يستثمرها في تهذيب نفوس المؤمنين من خلال التأكيد على أهمية الالتزام بأوامره.

لم يكُن الغريب في المعركة أن يخسرها جند رسول الله، إنّما كان هدوء وحلم وحكمة قائد الجند أكثر غرابة. لا صراخ، لا لَوْم، لا توبيخ ولا تأنيب… سيدنا محمدٌ (ﷺ) ومِنْ فوقه الجليل سبحانه وتعالى أعاد لمّ شمل المقاتلين بعد أن دبّ فيهم التشتّت وتبادل الاتهام.

من يتدبّر قوله تعالى {فَبِما رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم ولو كنتَ فَظًّا غليظَ القلب لانفضّوا من حولك} يعرف جيّداً حجم الهدوء الذي سكبه رب العزّة في ذات رسوله (ﷺ). الآية التي بدأت بحرف الفاء وتبعه حرف الباء الذي جاءَ ليبيّن الوسيلة (القصد من الباء “من خلال”) ثم كانت “ما” باعتبارها “صِلَةً” اتصلت بنكرة هي “رحمة”. والمعروف في اللغة أنّ “ما” الموصولية تأتي بمعنى الذي، فكانت الكلمة الواحدة (فبما) اختصاراً لعبارة تقديرها “فمن خلال الذي”.

وتَبِع “فبما” كلمةٌ نكرةٌ (رحمة) لحق بها حرف الجر “من” ثم لفظ الجلالة “الله”، فكان تقدير العبارة: “من خلال الله كانت الرحمة”. بعد ذلك جاءَتْ نتيجة هذه الرحمة التي بعثها الله في نفس رسول الله ليناً (لِنْتَ لهم). ومن يبحث عن سبب استخدام كلمة اللين، يجد أن من معانيها إزالة الخشونة والجفاء. وفي ذلك إشارة ربّانية إلى الخشونة التي قد يستخدمها القادة مع جنودهم في حالة الشدّة هذه. فكانت كلمة اللين مُزيلاً لكل حواجز التفكّك والتباعد بين رجال المؤمنين، بل كان لينُ قلبِ رسول الله جامعاً لشمل المقاتلين الذين خالفوا أوامره.

إنّ من دلالات توالي المترادفات في اللغة التأكيدُ على الشيء، فَلَوْ وردت لفظةُ “فظّاً” التي تحمل معنى سوء الخلق والعشرة منفردةً، لكان ذلك كافياً لإيضاح المعنى، لكنّ الله أتبع اللفظة بعبارةِ تحمل نفس المعنى (غليظ القلب) بُغيةَ التأكيد، وهذا ما يذكره “الجرجاني” في كتابه “درج الدرر في تفسير الآي والسور”.

وَرَدَ في معجم اللغة العربية المعاصرة أنّ الفعل “انفضّ” يرادفه الفعل “انكسر”. ولك أنْ تتخيّل أنّ صحابة رسول الله تفرّقوا وتكسّر جمعُهُم، فمن يُعيد الشيءَ متيناً إذا كُسِر؟! الكسرُ هنا لم يكن مادّياً بمعنى التفرّق فقط، بل كاد أن يكون نفسياً ينعكس في نفوس الجنود. وهنا يحضر في ذاكرتي قول سيدنا علي بن أبي طالب:

إنّ القلوبَ إذا تنافرَ ودُّها / مثل الزجاجة كَسْرُها لا يُجْبَرُ.

وتروي كُتُب السِّيرة أنّه لمّا انقلبت معركة أُحُد على المسلمين وازداد الخطر على رسول الله، راح الصحابة يفْدونه بأجسادهم وأرواحهم حتّى أن الحافظ “ابن حجر” يروي في كتابه “الإصابة” قصّة الصحابي “قتادة بن النعمان” الذي أصابه سهمٌ فَقأ عينه، فإذا برسول الله يردّها له فإذا هي أشدّ حدّة وأكثر جمالاً ممّا كانت عليه. لكَ أن تتخيّلَ لو أن هذا اللين الذي انطبع به قلب رسول الله كان قساوةً وجفاءً، فكيف ستكون ردّة فعل الصحابة على رجلٍ يوبّخهم ويُلقي عليهم لَوْم الخسارة في وقتٍ كانوا يقدّمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله وفداءً لروح رسوله الكريم؟!

لهذا كان اللين في هذه اللحظات العصيبة رحمةً بحق، كانت رحمةً للمؤمنين ورحمة لصحابة رسول الله. ولا زالت رحمةُ الله تلحقُ بأتباع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام في كلّ لحظة يتذكرون فيها لين قلبه وحلاوة روحه في أوقات الشدّة والرخاء.

لقد كان لينُ القلب الذي اتّصف به رسول الله نعمة حباهُ الله إياها، وهو امتنانٌ منه عزّ وجلّ لنبيّه عليه الصلاة والسلام. ولو غابت هذه المنّة عن رسول الله لتشتّت شمل المسلمين وتفرّقوا بعيداً عن دولة الإسلام، فللله الحمد من قبل ومن بعد، وبذلك فليفرح المؤمنون.