الملائكة في حضرتك”

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:  “وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”. رواه مسلم.

يفهم لنا معنى “وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم…” أن الاجتماع يكون على القراءة، ولعل المعنى أوسع من ذلك، والله تعالى أعلم، إذ يدخل فيه الاجتماع على القراءة من باب التعليم، كما يدخل فيه أيضًا الاجتماع على المدارسة؛ لتفهّم معانيه وتدبّره وتعقله واستخراج هداياته وأحكامه وكنوزه ومعارفه، فإن هذا من مدارسة القرآن، بل هو من أجل مدارسته وأعظمها، والقرآن إنما أنزله الله تعالى لا لمجرد التلاوة، كما هو معلوم، وإنما من أجل لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29] ، ومن ثم يكون العمل بذلك. وقد تكون هذه المدارسة لإقامة حروفه وألفاظه، يعني تعليم التجويد، فقال هنا: “ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة” فهذا هو جواب الشرط. يعني: ما اجتمع قوم كذا وكذا إلا حصل لهم كذا، فهذا وعد من الله -تبارك وتعالى- نزلت عليهم السكينة، والسكينة في معناها فيها كلام كثير، وقد سبق الإشارة إلى ذلك، والظاهر -والله تعالى أعلم-: أن معناها يدل عليه لفظها، فالسكينة من السكون، فيحصل لهم من السكون، وطمأنينة القلب، والخشوع، وهدوء النفس، وراحة البال، وما إلى ذلك من المعاني كل ذلك داخل في السكينة هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح:4] فهذا مبعث الطمأنينة، فيزول عنهم الخوف والاضطراب والقلق والتوتر، وما أشبه ذلك من المعاني التي لا تجتمع مع السكينة بحال من الأحوال. ولذلك الناس الذين يبحثون عن راحة النفس، وطرد القلق والتوتر، عليهم بمجالس الذكر، ومجالس القرآن، وأن يقبلوا على كتاب الله، فيتعلمون ألفاظه ومعانيه، فيحصل لهم من الدواء ما الله به عليم.

قال صلى الله عليه وسلم: “وغشيتهم الرحمة”، فالرحمة هي مطلق العطاء فمنها الصحة وصلاح البال والتوفيق بالأعمال والرزق والزوجة الصالحة والأولاد، والسمعة الطيبة هذا كله من رحمة الله بك، ومن رحمته ان وفقك لهذا الخير العظيم.

قال صلى الله عليه وسلم: “وحفتهم الملائكة”، الملائكة كما قال النبي ﷺ: “يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر”، يعني: يبقى هؤلاء نوبة من الفجر إلى العصر، وهؤلاء من العصر إلى الفجر، ويحضرون مجالس الذكر، ويتداعون لها، فإذا وجدوا مجلسًا من مجالس الذكر اجتمعوا عليه، فتحفهم الملائكة بأجنحتها، تصور هذا الفضل العظيم حينما يستشعره الإنسان.

يقول: “وذكرهم الله فيمن عنده”، هذا هو التدرج من الأدنى إلى الأعلى وذكرهم الله فيمن عنده هذه صلاته -تبارك وتعالى- على عباده {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الأحزاب: 43]. فصلاة الله على العبد، هو ذكره في الملأ الأعلى، فحينما نقول: “اللهم صلِّ على محمد” يعني: نسأل الله وندعو، فالصلاة منا دعاء، وصلاة الملائكة استغفار، وصلاة الله أن يذكر عبده في الملأ الأعلى.

“وذكرهم الله فيمن عنده”، يعني: في الملأ الأعلى عند الملائكة، فحينما يقال للإنسان: ما شاء الله أنت ذُكرتَ في مجلس فلان من العظماء والكبراء والملوك والسلاطين، وما أشبه ذلك، وذكرت البارحة في المجلس، وأثنى عليك، قد لا يتمالكه السرور والفرح، ويعتبر هذا تاريخ مشرق له، والله -تبارك وتعالى- يذكر عبده فيمن  عنده، وما هو العمل العظيم هذا الذي يحتاج إلى جهد كبير، هو مجرد أنه حضر مجلس لذكر الله، فهذه أمور يسيرة، ولا تكلف الإنسان شيئًا، لكنها النفس تحتاج إلى جهاد، حتى على العمل القليل، فإذا استرسل العبد معها في باب الغفلة، فإنه يشق عليه اليسير من العمل. ولذلك بعض الناس قد تشق عليه ركعة واحدة في الوتر، وبعض الناس إذا لم يبق له إلا ساعة غلبته عيناه من الليل يصلي فيها، وقد اعتاد أن يصلي ثلاث ساعات بكى، وبقي آسفًا، وذلك اليوم حزن؛ لأنه ما قام إلا ساعة واحدة، وهذا موجود، وبعض المعاصرين من أهل العلم كان بهذه المثابة، فلاحظ الفرق بين من يتثاقل ركعة واحدة يوتر بها، وبين من يأسف على فوات مثل هذا، فالنفس كلما استرسل الإنسان معها استثقلت العمل اليسير؛ ولذلك يحتاج العبد إلى فقه في التعامل مع النفس، ورفعها، فإذا رفعها أقبلت.

بعض فوائد هذا الحديث:

  • اجعل قلبك معلقا بالمسجد حتى يظلك الله في السبعة يوم القيامة.
  • اذكر الله في كل احوالك: قائما، قاعدا، سائرا في الطريق…
  • احرص على حضور حلق القران وطلب العلم في المسجد لتنال ذلك الشرف العظيم: تحفك الملائكة وتنزل عليك رحمة الله وسكينته، ويذكرك الله في الملأ الأعلى.

فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح هذه القلوب والأعمال، وأن يرزقنا وإياكم التقوى والهدى، وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن، ويجعله حجة لنا لا حجة علينا، وأن تكون الملائكة دائما في حضرتنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى