هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد اصحاب الشورى، شديد الولع بالشهادة، رجل الصلابة التي لا تعرف اللين، والعزيمة التي لا تعرف الخور، واليقين الذي لا يعرف الشك، انه الزبير بن العوام رضي الله عنه وارضاه، حواري الرسول صلى الله عليه وسلم وابن عمته.

هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي، ويجتمع مع النبي ﷺ في قصي. أمه صفية بنت عبد المطلب، أسلم وهو صغير فروي انه أسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل وهو ابن ست عشرة سنة، وكان اسلامه بعد ابي بكر رضي الله عنه، وهاجر الى الحبشة والى المدينة، وآخى رسول الله بينه وبين عبد الله بن مسعود لما آخى بين المهاجرين بمكة، فلما قدم المدينة واخى رسول الله بين المهاجرين والانصار آخى بينه وبين سلمة بن سلامة بن وقش، وقد استشهد رضي الله عنه في حادثة الجمل بعدما تعقبّه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي بوادي السباع.

لم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ، وقد تعرّض بعد إسلامه للتعذيب، فقد روي أن عمّ الزبير كان يعلق الزبير في حصير، ويدخن عليه بالنار وهو يقول: “ارجع إلى الكفر”، فيقول الزبير: “لا أكفر أبداً”.

وكان أول من سل سيفه في سبيل الله فعن سعيد بن المسيب، قال: أول من سلّ سيفه في ذات الله الزبير بن العوام، وبينما الزبير بن العوام قائل في شعب المطابخ، إذ سمع نغمة: أن رسول الله ﷺ قُتِل، فخرج من البيت متجرداً السيف صَلْتاً، فلقيه رسول الله ﷺ كَفَّةَ كَفَّةَ، فقال: “ما شأنك يا زبير؟” قال: سمعت أنك قُتِلْت، قال: “فما كنت صانعاً؟” قال: أردت والله أن أستعرض أهل مكة، قال: فدعا له النبي ﷺ بخير. قال سعيد: أرجو ألا تضيع له عند الله عز وجل دعوة النبي ﷺ.

ومن جملة مناقب الزبير بن العوام رضي الله عنه ان الملائكة يوم بدر حين نزلت تأييدا للمسلمين نزلت بسيماء الزبير، أي تلبس ملبسا مثل ملبسه، اكراما من الله تعالى له، روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن ابيه قال: كان الزبير بن العوام يعلم بعصابة صفراء، وكان يحدث ان الملائكة نزلت يوم بدر على خيل بلق عليها عمائم صفر، فكان على الزبير يومئذ عصابة صفراء.

وقد فداه رسول الله ﷺ يوم الأحزاب بأبيه وأمه، فعن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب، جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء، فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تختلف، قال: وهل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم، قال: كان رسول الله ﷺ قال: «من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟» فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: «فداك أبي وأمي». وهذا الحديث فيه منقبة ظاهرة للزبير رضي الله عنه؛ حيث فداه رسول الله ﷺ بأبويه، وفي هذه التفدية تعظيم لقدره، واعتداد بعمله، واعتبار بأمره، وذلك لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه، فيبذل نفسه أو أعز أهله له.

وفي يوم الخندق قال رسول الله ﷺ: «من يأتينا بخبر بني قريظة؟» فقال الزبير: أنا، فذهب على فرس، فجاء بخبرهم. ثم قال الثانية، فقال الزبير: أنا، فذهب، ثم الثالثة، فقال النبي ﷺ: «لكُلِّ نبيٍّ حواريّ، وحواريَّ الزبير». ومعنى قوله ﷺ: «وحواري الزبير»: أي: خاصتي من أصحابي، وناصري، ومنه الحواريون أصحاب عيسى عليه الصلاة والسلام؛ أي خلصاؤه وأنصاره؛ فالحواري: هو الناصر المخلص، فالحديث اشتمل على هذه المنقبة العظيمة التي تميز بها الزبير رضي الله عنه.

لقد نال الزبير في غزوة الخندق وساماً خالداً باقياً على مر السنين: «لكل نبي حواري، وحواري الزبير». لقد وصف النبي ﷺ الزبير رضي الله عنه بالحواري، وهو وصف عميق الدلالة واسع المفاهيم، والدارس لهذه المعاني يدرك أبعاد كلمة الحواري، ويتبين معالمها ويعرف أسرارها وأغوارها، وأكثر من يحتاج إلى العناية بهذه المفاهيم هم العلماء والدعاة والمربون، لأن الدعوة الإسلامية تحتاج إلى إعداد الحواريين ليقدموا نماذج حية في الأسوة والقدوة، لأن القدوة العملية أقوى وأشد تأثيراً في نشر المبادئ والأفكار، لأنها تجسيد وتطبيق عملي لها، يسهل مشاهدتها والتأثر والاقتداء بها، ولأن الحواريين يأخذون بسنة الرسول ﷺ ويقتدون بأمره، كما جاء في الحديث: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره» والحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى