سعيد بن زيد، سعيد الدنيا والاخرة

صحابي جليل سابق بالخيرات وسبّاق الى الطاعات، تقطر منه الفضائل، وتفوح من شذى سيرته المكارم، عرف الفضائل وعرفته وألفها وألفته، انه سعيد الدنيا والاخرة سعيد بن زيد رضي الله عنه.

سَعِيد بن زَيْد القرشي العدوي هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين الاولين الى الاسلام، حيث أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وقبل أن يدخل النبي دار الارقم وقبل أن يدعو فيها، كان أبوه زيد من الاحناف في الجاهلية فلا يعبد إلا الله ولا يسجد للأصنام، وهو ابن عم سيدنا عمر ابن الخطاب وأخته عاتكة بنت زيد زوجة سيدنا عمر، وزوجته هي أخت عمر فاطمة بنت الخطاب والتي كانت سببًا في إسلام عمر بن الخطاب.

كان سعيد من المهاجرين الاولين وكان من سادات الصحابة، شهد سعيد المشاهد كلها مع النبي إلا غزوة بدر حيث بعثه النبي هو وطلحة بن عبيد الله للتجسس على أخبار قريش، فرجعا بعد غزوة بدر فضرب لهما النبي بسهمهما واجرهما، وشهد معركة اليرموك وحصار دمشق وفتحها، وولاّه عليها أبو عبيدة ابن الجراح فكان أول من عمل نيابة دمشق من المسلمين، وتُوُفي بالعقيق سنة احدى وخمسين للهجرة وهو ابن بضع وسبعين سنة، وحُمِل إلى المدينة، وغسله سعد بن ابي وقاص وكفنه.

وقد بشّره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، روى الترمذي في سننه بسنده عن عبد الرحمن بن حميد عن ابيه ان سعيد بن زيد حدثه في نفر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عشرة في الجنة: ابو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان وعلي والزبير وطلحة وعبد الرحمن وابو عبيدة وسعد بن ابي وقاص، قال: فعدّ هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنة، قال ابو عيسى: ابو الاعور هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نوفل.

من مناقب سعيد رضي الله عنه وفضائله، ذكر ابو نعيم في فضل سعيد بن زيد كلاما لطيفا جميلا ارى ان موضعه ان يذكر هنا، قال: واما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فكان بالحق قوّالا ولماله بذّالا ولهواه قامعا وقتّالا، ولم يكن ممن يخاف في الله لومة لائم، وكان مجاب الدعوة، سبق الاسلام قبل عمر بن الخطاب، رغب عن الولاية وتشمر في الرعاية، قمع نفسه واخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه، اعتزل الفتنة والشرور المؤدية الى الضيعة والغرور عازما على السبقة والعبور المفضي الى الرفعة والحبور، كان للولايات قاليا، وفي مراتب الدنيا وانيا، وفي العبودية غانيا، وعن مساعدة نفسه فانيا.

ومن صور فضل سعيد بن زيد رضي الله عنه، ان اسلام عمر بن الخطاب كان على يده هو وزوجه وفي بيته، فبيت سعيد بن زيد هو الذي شهد خروج عمر بن الخطاب من ظلمات الكفر الى نور الاسلام، كما كان لسعيد بن زيد أثر كبير في اسلام الفاروق عمر رضي الله عنه، ولما علم عمر رضي الله عنه بإسلام زيد وزوجته، هاج وماج وغضب ونال منهما بيده قبل لسانه، فما وجد منهما الا ثباتا واصرارا، ثم ما لبث ان هدأ وسمع بعض آي القران وألان الله له قلبه فاعلن اسلامه ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هذا البيت الطاهر.

فهذا ما تيسر لنا من سيرة سعيد بن زيد رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذين هم افضل قريش وافضل السابقين المهاجرين، وافضل البدريين، وافضل اصحاب الشجرة، وسادة هذه الامة في الدنيا والاخرة، فرضي الله عنهم وارضاهم، وغفر لمن اثنى عليهم وزكاهم.

وبعد هذه الجولة التي قضيناها حول الحديث عن العشرة المبشرين بالجنة، تبين بما لا يدع مجالا للشك ان هؤلاء العشرة قدموا صفحات مشرقة تعد بحق مفخرة للمسلمين، وبسواعدهم البنّاءة مع نبينا صلى الله عليه وسلم وباقي الصحابة شيدوا صرح الدين قويا شامخا، وجابوا به الفيافي والقفار، فاستحقوا بهذا ان يبشروا بالجنة من العظيم الغفار بوحي الى سيد الابرار صلى الله عليه وسلم.

وما قصدنا من بحثنا هذا الا احياء سيرتهم العطرة ومسيرتهم الكريمة في نفوس المسلمين والتذكير بصنائعهم وتضحياتهم الجليلة التي قدموها في سبيل هذا الدين، حتى لا تهون مكانتهم ولا تنحسر منزلتهم.

هذا واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

أحمد المصطفى