الوصفة النبوية للتحكم بالغضب

ونحن نتفيأ ظلال شهر ذي الحجة، شهر الحج الذي يجتمع به المسلمون من كل أصقاع الأرض، في مكان واحد، يؤدون فريضة الإسلام العظيم، في مشهد من التآخي والتآلف، والوحدة والتكاتف، ينزعون عنهم كل ما يزرع الفتنة والفرقة في قلوبهم، يضربون أروع الأمثلة للصبر والتسامح، يتحكمون بغضبهم مهما كانت الظروف قاسية، رغبة في الحصول على أجر الحج الأعظم، من غير رفث ولا فسوق ولا جدال، ونحن نتفيأ ظلال هذا الشهر وتغمرنا هذه المشاعر، حريٌ بنا أن نسلط الضوء على درس نبوي في التعامل مع الغضب، لنخرج من هذه الظلال والذكريات التي تمر بنا بالدروس والعبر لتغدو واقعاً معاشاً.

من صفات المؤمن أنه يصبر على ما يعرض له في هذه الدنيا، ويتعلق دائماً بالله تعالى، متعالياً على سفاسف الأمور وصغائرها، والدنيا كلها صغيرة إذا ما قورنت بما عند الله، ورسول الله ﷺ كان شديد الحرص على عدم الغضب لشخصه الكريم، أو لأمر من أمور الدنيا، إلا أن تكون غضبة لله ولدين الله ولعباد الله، يعلمنا درساً فريداً في ذلك، وفي هذا المقال بيان لمنهجه ﷺ في معالجة الغضب من أساسه، أو التحكم به لأقصى درجة ممكنة، من خلال وصفة نبوية فيها النفع الكثير بإذن الله.

الوصفة النبوية لعلاج الغضب باختصار هي: “لا تغضب”، بكل هذه البساطة، تجنب كل الأسباب المؤدية للغضب قدر المستطاع؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضى الله عنه ـ أَنَّ رَجُلاً، قَالَ لِلنَّبِيِّ ‎ﷺ أَوْصِنِي‏، قَالَ: “لاَ تَغْضَبْ‏”‏‏.‏ فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: ‏”لاَ تَغْضَبْ” (صحيح البخاري).

لكن لأننا بشر ومن طبعنا التقصير، تجدنا نغضب ولا نقدر على تجنب الوقوع في الغضب دائماً، ومع ذلك لوصفة النبي ‎ﷺ توابع مُعِيَنة على التحكم فيه حال وقوعه، وسأذكر أربع وسائل نبوية ضمن هذه الوصفة لمعالجة الغضب حال وقوعه:

  • أولاً: السكوت عند الغضب: كما يروي ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ‎ﷺ: “إذا غضب أحدكم فليسكت” (مسند أحمد).
  • ثانياً: إذا كنت ولا بد متحدثاً بشيء فليكن استعاذة بالله من الشيطان الرجيم، كما يروي سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، قَالَ اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ‎ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ‎ﷺ:‏ “‏إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ‏” (صحيح البخاري).
  • ثالثاً: بدل من وضعية جسدك مما يساعد في تعديل مزاجك: عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‎ﷺ قَالَ لَنَا: ‏ “‏إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ” (سنن أبي داوود)، تعديل الوضعية هذا مفيد لأن القائم متهيئ ليمد يده ويتمادى في غضبه، بينما القاعد أقل، والمضطجع لا يقدر على الهجوم والمبادرة فهو ممنوع؛ فتعديل الوضعية حماية لك من التمادي في الغضب.
  • رابعاً وأخيراً: الوضوء، تطهير الجسد يعين في برد القلب؛ فعن عَطِيَّةَ السعدي قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‎ﷺ: “‏إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ” (سنن أبي داوود). وفي هذا صرف لك عن الأمر الذي أغضبك؛ فتشغل نفسك أو تتغافل عن غضبك مما يساعدك في التخلص من الغضب أو على الأقل من شدته وفورته.

ختاماً: لماذا يجب علينا أن نتحكم بغضبنا؟

تحصيلاً للمغفرة والجنة ومحبة الله، كما أخبر الله تعالى: “وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (آل عمران: ١٣٣-١٣٤)، ذكر العطايا التي يهبها سبحانه لمن يمتثلون بعض الأعمال دون غيرها، ومن ضمنها: الكاظمين الغيظ، وكفى بذلك سبباً لنتحكم بغضبنا أو أن نمنعه، والله الموفق.

كتبه: الشيخ جعفر حوى